مقالات

ابا جعفر سلاما سلاما


ضياء ابو معارج الدراجي ||

قبل أكثر من ٤٢ عام مضت وتحديدا نيسان عام ١٩٨٠ كنت طالبا في الثاني الابتدائي استعد لخوض الامتحان النهائي بعد شهر منه ،حيث كان شهر نيسان شهر احتفال النظام السابق بعيد تاسيس حزبه في السابع منه،لم اكن اعي او اعرف ان في هذا الشهر من تلك السنة قد ارتكب صدام التكريتي ابشع جريمة بحق عالم عراقي ومرجع ديني كبير مع اخته بدون وجه حق.
كانت عفوية طفولتنا جميلة لا علاقة لنا بالاحداث السياسية ولا نفقه شيء منها،حياة طفولة جميلة قبل اعلان الحرب ضد الجمهورية الاسلامية بعد خمس شهور تماما في ايلول ١٩٨٠ وبداية الرعب الحقيقي لي كطفل مدلل لم يمر بتجربة مماثلة سابقا.
منذ ذلك الحين كان شباب ورجال منطقتي يختفون من على وجه الحياة ولأسباب عديدة واولها ضحايا الحرب ما بين شهيدا و اسيارا ومفقودا ،لكن ما لم افهمه ان زوج خالتي لم يكن مقاتلا او احد الذاهبين الى الجبهة و فقد هناك او عاد جثة بتابوت خشبي .
لقد اختفى حين اخذوه رجال غرباء طوقوا بيته ،كان البيت كله حزينا عليه ونحن الاطفال نتمنى عودته وخصوصا اولاده الذين شاهدوا رجالا غرباء يدخلون بيتهم ويقتادون والدهم الى جهة مجهولة حيث كانت تلك اخر ذكرى لهم معه.
كنت جالس في بيت جدتي وانا استمع لصراخ خالتي وهي تضع مولودها الاخير الذي لم ينعم بمشاهدة أباه المغيب وهي تصرخ بصوت عالي (يا علي) وجدتي تدعو بعود الاب حي يرزق الى اولاده لتفرح ابنتها الحزينة بزوجها وتطمئن على حياة اولادها ومعيشتهم.
كل الذي فهمته من امي وخالاتي وعماتي ان زوج خالتي كان (خمينيا) واعتقله صدام ولا نعرف عنه شي،حيا كان ام ميتا منذ يوم اعتقاله، بينما كان ابي ورجال العشيرة صامتين لا ينطقون بكلمة عنه ويصرخون بنا عند السؤال.
مرت سنوات الحرب الثمان بكل قساوتها علينا مع توسع ادراكنا وفهمنا الحياة ونمو عقلنا وجسمنا فهمت ان زوج خالتي كان منتميا لحزب معادي لنظام البعث الحاكم ولا يسمح لاي شخص بالسؤال عنه او معرفة شيء يدل اليه فهو من عناصر حزب الدعوة الاسلامية عميل الخميني المجوسي (حسب مصطلحات نظام البعث الساقط).
لم يكن زوج خالتي الوحيد الذي اختفى لهذا السبب بل هناك العديد من شباب ورجال اقاربنا ومناطقنا اختفوا لنفس السبب حتى شباب بعمري او اكبر مني ببضع سنين.
لم اكن اعير اهتماما لهذا الحزب وكنت اعتبره معايا لعدم معرفتي به اثناء مراهقتي، لكن كان لي ابن عم يكبرني بسنتين كان ياخذني معه الى أصدقائه للتمويه ،يتبادلون كتب مدرسية فيما بينهم للصف السادس الاعدادي كتب في ظاهرها مدرسية لكن في مضمونها مختلفة تماما اجزاء من مؤلفات السيد محمد باقر الصدر مؤسس حزب الدعوة الاسلامية.
في بداية معرفتي بهذا الامر خفت كثيرا و حاولت اقناع ابن عمي ان يبتعد عن تلك الكتب لكنه في النهاية اقنعني تماما بان صدام التكريتي قد قتل مرجعا دينيا شيعيا مع اخته العلوي بنت الهدى وحكم عليهم بالإعدام بدون وجهة حق، قتل عالما في الشريعة والاقتصاد والفكر وقتل معه اخته الفقيهة وتعددت قصص طرق الاعدام التي كنت استمع لها من عده مصادر اصبحت عندهم من الثقات ليشرحوا لي افكار ذلك الشهيد من ال الصدر والذي كان زوج خالتي المغيب وابن عمي الشاب يستنيرون بأفكاره وعلومه التي نورت لي طريقي انا شخصيا.
وهنا انقل لكم ما كتب على صفحة المسألة والعدالة اليوم السابع من نيسان ٢٠٢٢ عن الوداع الاول و الاخير للشهيد الاول محمد باقر الصدر قدس مؤسس حزب الدعوة الاسلامية الذي غدره صدام التكريتي واعدمه في ٩ نيسان ١٩٨٠ حسب التاريخ المشهور بينما تذكر الكتب الرسمية بان اعدامه تم يوم ١٣ نيسان ١٩٨٠ بعد اعلان اعدامه في ٩ نيسان ١٩٨٠ لجس نبض الشارع الشيعي الذي لم يحرك ساكنا في وقتها.

( الوداع الأول والأخير

يوم السبت (5/ 4/ 1980م) وفي الساعة الثانية والنصف بعد الظهر جاء مدير أمن النجف ومعه مساعده (أبو شيماء)، فالتقى بالسيّد الصدر (رحمة الله) وقال له: «إنّ المسؤولين يودّون لقاءك في بغداد».
السيّد الصدر: «إذا أمروك باعتقالي فنعم، أذهب معك إلى حيث تشاء».
مدير الأمن: «نعم، هو اعتقال‏».
السيّد الصدر: «انتظرني دقائق حتّى أغتسل وأبدّل ملابسي وأودّع أهلي‏».
مدير الأمن: «لا حاجة لذلك ففي نفس هذا اليوم أو غداً ستعود».
السيّد الصدر: «وهل يضرّكم أن أودِّع أطفالي وأهلي؟».
مدير الأمن: «لا، ولكن لا حاجة لذلك. ومع ذلك فافعل ما تشاء»
… فاغتسل بنيّة غسل الشهادة، وصلّى لربّه ركعتين، وبدّل ملابسه‏، ثمّ اتّجه إلى والدته المذهولة والمكروبة، وأخذ يدها وضمّها إلى صدره بين يديه ، ثمّ رفعها إلى فيه يلثمها في حنوٍّ ، حادباً على أمِّه، يرجو الرضا والدعاء وطلب التسديد. ثمّ احتضن جميع من في البيت يضمّهم ويقبّلهم، فعلموا من خلال تصرّفه أنّه الوداع الأخير.
وعندما أراد احتضان ابنته الثانية- ابنة الخامسة عشرة- لم تحتمل ذلك وأشاحت بوجهها ، واتّجهت نحو الجدار ، وأحنت رأسها عليه وهي تبكي بكاءً مريراً، فأحاطها والدها بذراعيه، وصار يناجيها: «حلوتي! ابنتي! إنّ كلّ إنسان يموت، وللموت أسباب عدّة، فيمكن أن يموت الإنسان بسبب مرض، أو فجأة على فراشه، أو غير ذلك، ولكنّ الموت في سبيل الله أفضل بكثير وأشرف، ولو أنّني لم أقتل بيد صدّام وجماعته فقد أموت بمرض أو بسبب آخر .. إنّ أصحاب عيسى (ع) نشروا بالمناشير، وعلّقوا بالمسامير على صلبان الخشب، وثبتوا من أجل موتٍ في طاعة. لا تكترثي يا صغيرتي، فكلّنا سنموت، اليوم أو غداً، وإنّ أكرم الموت القتل. بنيّتي! أنا راضٍ بما يجري عليّ، وحتّى لو كانت هذه القتلة ستثمر ولو بعد عشرين سنة، فأنا راض بها»
.. وعندما حان دور زوجته السيّدة فاطمة، ووقف أمامها شاخصاً ببصره إليها.. وقال لها: «يا أخت موسى! بالأمس أخوك، واليوم النديم والشريك والحبيب، اليوم أنا .. لك الله يا جنّتي ويا فردوسي‏، تصبّري، إنّما هي البيعة مع الله، قد بعناه ما ليس بمرجوع، وهو قد اشترى سبحانه .. يا غريبة الأهل والوطن! حملك ثقيل، ولك العيال. أسألكِ الحِلّ .. فأولئك هم سود الأكباد على بابكِ ينتظرون، وما من مفر .. أنا ذاهب، وعند مليك مقتدر لنا لقاء .. انتظري ثلاثة أيّام، فإن لم أعد فاذهبي مع والدتي وأطفالي إلى بيت أخي السيّد إسماعيل في الكاظميّة»
وكانت المرّة الوحيدة التي يودّعهم فيها من بين الاعتقالات التي تعرّض لها.)

سلاما سلاما ابا جعفر

عن الكاتب

ضياء ابو معارج الدراجي

اترك رد إلغاء الرد

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.