دين وحياة

نفحات قرآنية ( 27 )


رياض البغدادي ||

﴿ بَلْ قَالُوا مِثْلَ مَا قَالَ الْأَوَّلُونَ (81) قَالُوا أَإِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا وَعِظَامًا أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ (82) لَقَدْ وُعِدْنَا نَحْنُ وَآبَاؤُنَا هَذَا مِنْ قَبْلُ إِنْ هَذَا إِلَّا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ (83) قُلْ لِمَنِ الْأَرْضُ وَمَنْ فِيهَا إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (84) سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ (85) قُلْ مَنْ رَبُّ السَّمَاوَاتِ السَّبْعِ وَرَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ (86) سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَفَلَا تَتَّقُونَ (87) قُلْ مَنْ بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ يُجِيرُ وَلَا يُجَارُ عَلَيْهِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (88) سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ فَأَنَّى تُسْحَرُونَ (89) بَلْ أَتَيْنَاهُمْ بِالْحَقِّ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ (90) ﴾
بعد ذكر التوحيد عقبه تعالى بذكر المعاد، فالذين أنكروا البعث إنما ينكرونه تقليداً لنكران من سبقهم، بدليل أنهم لم يأتوا بشبهة جديدة، فتمثلت شبهتهم في أمرين، الأول بأن قالوا ﴿ أَإِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا وَعِظَامًا أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ ﴾ وهذا يعني أنهم استشكلوا إمكانية إعادة الحياة الى رفات الموتى، بعد تفرّق أجزائه البسيطة الى التركيب المعقد الذي يتكون منه الإنسان، وهذه الشبهة ناشئة بسبب قدحهم لكمال علم الله وكمال قدرته، ولهذا نجد الآيات التالية تتكلم عن كمال القدرة في خلق السماوات السبع والعرش العظيم، وهي بالحقيقة أعظم من خلق الانسان أو إعادة الحياة الى رفاته بعد موته، والشبهة الثانية تمثلت بقولهم ﴿ لَقَدْ وُعِدْنَا نَحْنُ وَآبَاؤُنَا هَذَا مِنْ قَبْلُ ﴾ وهذا واضح فساده لأنهم تصوروا أن البعث والحساب يكون في دار الدنيا، ولهذا قالوا إن الوعد بالبعث والحساب إنما هو اساطير، والأساطير من أسطر الكتابة التي سطرها الأولون، وهي كناية عن الخرافة
وهناك من هم مقرين بالله تعالى، إلا أنهم جعلوا الأصنام وسيلة يتقربون بها الى الله، فاحتج عليهم الله تعالى بثلاثة أمور :
الأول قوله تعالى: ﴿ قُلْ لِمَنِ الْأَرْضُ وَمَنْ فِيهَا “، فمن يملك الأرض ومن فيها لقادر أن يعيدهم، فهو أولى من الأوثان والاصنام الترابية التي لا تملك شيئاً، وقوله: ﴿ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ ﴾ ترغيب لهم الى التدبر .
الثاني قوله تعالى: ﴿ مَنْ رَبُّ السَّمَاوَاتِ السَّبْعِ وَرَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ ﴾ هو استدلال بملكوت السماوات، واتماماً للحجة على من يعبد النجوم والكواكب، وقوله :﴿ أَفَلَا تَتَّقُونَ ﴾ تنبيها لهم، لعلهم يتركون عبادة غير الله من أوثان .
الثالث جاء قوله تعالى :﴿ مَنْ بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ ﴾، فعجَّزهم عن الجواب، لاستحالة أن يكون الملكوت بيد أصنامهم وأوثانهم، التي لا تدفع عن نفسها أهون الاخطار وأوهنها ، ثم خاطبهم تعالى بقوله: ﴿ وَهُوَ يُجِيرُ وَلَا يُجَارُ عَلَيْهِ ﴾، لنفي مافي نفوسهم من عبادة الأوثان التي يعتقدون أنها ممكن أن تجيرهم من عذاب الله تعالى .
قوله :﴿ فَأَنَّى تُسْحَرُونَ ﴾ إنما الخطاب كان كافياً لمن له شيء من العقل، ومن ينكر بعد كل تلك الخطابات، فحاله حال من أصابه السحر والوسواس الشيطاني، الذي إذا أصاب الانسان يجعله خارج منظومة العقل .
وهنا سؤال : كيف قال :﴿ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ ﴾ ثم حكى عنهم سيقولون الله وفيه تناقض ؟
لا تناقض لأن قوله: ﴿ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ ﴾ لا ينفي العلم عنهم، إنما جاء الخطاب لإستلال الاعتراف منهم، ليكون مزيد حجة عليهم.
كلام في معنى العرش:
للناس في معنى العرش أقوال، نقتصر على ذكر أهمها:
القول الأول . يحملون الكلمة على ظاهرها، فيكون معنى العرش عندهم سرير له قوائم قد نُصِب على السماء السابعة، والله تعالى ( كما يقولون ) مستوٍ عليه، كاستواء الملوك على عروشها
القول الثاني . يعتقدون أن العرش هو الفلك التاسع المحيط بالعالم، ومماس للكرسي وهو الفلك الثامن الذي في جوفه الأفلاك السبعة ( الكواكب ) .
القول الثالث . يعتقدون أن لا مصداق للعرش خارجاً، وإنما قوله تعالى: ﴿ثم استوى على العرش﴾ و﴿الرحمن على العرش استوى﴾كناية عن استيلائه تعالى على عالم الخلق .
القول الرابع . يقولون ،وإن كان حقاً كون قوله تعالى ﴿ثم استوى على العرش﴾ جارياً مجرى الكناية بحسب اللفظ، لكنه لا ينافي أن يكون هناك حقيقة موجودة، فالعرش الذي يستفاد من مثل قوله: ﴿ثم استوى على العرش﴾ أنه مقام في الوجود، يجتمع فيه أزمة الحوادث والأمور، وتنشأ فيه التدابير العامة وتصدر عنه الأوامر التكوينية، فالعرش مقام العلم كما أنه مقام التدبير العام الذي يسع كل شيء، وكل شيء في جوفه. والملائكة الحافّون بالعرش والثمانية الحاملون له هم الوسائط الحاملون لحكمه والمجرون لأمره، العاملون بتدبيره، فمنهم حافّون حول عرشه، ومنهم من هم اقرب مقاماً فيكونوا حملةً له .
رويّ عن المفضل بن عمر قال: سألت أبا عبد الله عليه السلام عن العرش والكرسي ما هما ؟ فقال: العرش في وجه هو جملة الخلق والكرسي وعاؤه، وفي وجه آخر العرش هو العلم، الذي اطْلَع الله عليه أنبياءه ورسله وحججه، والكرسي هو العلم الذي لم يُطلع [الله] عليه أحدا من أنبيائه ورسوله و حججه عليهم السلام.
والله العالم

عن الكاتب

رياض عبد العزيز البغدادي

اترك رد إلغاء الرد

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.