مقالات

قضية الفريق “الساعدي” وغياب “الاعلام الحكومي”

محمود الهاشمي

ان الغائب الاكبر في كل الاحداث التي تمر بالعراق هو “الاعلام الحكومي” فغالباً ما يصمت خلال الحدث او يأتي متأخراً ليكون “الاعلام الآخر” قد رسم المشهد للحدث وفق مقاساته وتشكلت صورة لدى المتابع دون ان يؤثر الاعلام الحكومي فيما بعد على الحدث …

ما لدى الحكومة العراقية من وسائل اعلام يفوق اي مؤسسة اعلامية عراقية اخرى، بل ويفوق امكانيات مؤسسات عربية كثيرة ايضاً، فشبكة الاعلام العراقي، لديها سبعة آلاف منتسب، منتشرين على محافظات العراق جميعها، ويكفي ان “جريدة الصباح” لوحدها تمتلك احدث مطبعة بالعالم، وبكوادر تجاوزت الـ(700) منتسب وبمبنى ضخم ، ومثل ذلك قنوات واذاعات “العراقية” ..في ذات الوقت فان لمجلس الوزراء (خلية اعلامية) وللقوات الامنية (خلية اعلامية) ، وهناك ناطق رسمي ومستشار وتطول القائمة لتسع صفحات عديدة، لاشك ان هؤلاء يستلمون رواتباً ويثقلون الميزانية والخ.

هذه المقدمة سقناها، بعد ان شهدنا ان “الاعلام الحكومي”، غاط في نومه، دون ادنى تدخل بالاحداث الجارية، تاركاً وسائل الاعلام الاخرى من محلية واقليمية ودولية ومن وسائل التواصل الاجتماعي تتناطح فيما بينها وكأن الحدث في دولة اخرى وليس “العراق”.

آخر حدثين مهمين الاول قصف مقار الحشد الشعبي، فقد تم القصف لعدة مقار والاعلام الحكومي غائب وكأن ليس لدى الاجهزة الامنية خلايا اعلامية ولا ناطق رسمي..ولم نسمع له صوتا الا بعد صدور بيان (ابو مهدي المهندس) الذي حمل فيه القوات الاجنبية المسؤولية، فتوالت الصيحات “الحكومية” و”الحزبية” مطالبة بـ”سيادة القانون” و”عدم التجاوز على سيادة الدولة” و”براءة ذئب اسرائيل”…والخ.

وانتهى الامر الى تشكيل لجان، وحتى يومنا، فان اللجان تراوح مكانها وكل يحاول ان يبرأ “صاحبه” وربما سيلقونها برقبة “قسد” ليضيع خبر “المتهم” الحقيقي.

ان عدم “الافصاح” من قبل “الاعلام الحكومي”يترك للمتربصين حرية لرسم السيناريوهات وفق رغباتهم واهوائهم ومخططات الجهات التابعة لهم، في نفس الوقت يشكل “قلقاً”وارباكاً للاعلام الداعم للدولة فليس لديه مادة لاعتمادها في الكتابة والتحليل ..فمثلاً في قضية “التخابر” لقائد قوات الانبارالفلاحي ، عندما ظهر (الفديو) صمت “الاعلام الحكومي” وتصاعد الاعلام العام، وانتهى الامر بنقل (صاحب التخابر) وظل الامر غامضاً ، ترى هل كان الرجل مذنباً فعوقب ام بريئاً؟ ثم لماذا بعد “التخابر” تم قصف مقار الحشد الشعبي، وفي الاماكن التي تم التعرض لها بالاتصال؟.

في قضية الفريق الركن عبد الوهاب الساعدي، فان الرجل اختار (قناة الشرقية) منبراً للاعلان عن مظلوميته، وكان اختياراً غير موفق، اعقبه صمت الاعلام الحكومي في قضية امنية “خطيرة” في الوقت الذي لابد لمكتب “القائد العام للقوات المسلحة” أن يعاجل باصدار بيان توضيحي لان الموضوع تحول الى “راي عام”، والفريق الركن الساعدي مازال متواصلاً مع الاعلام ويؤكد انه اتصل عبر “الموبايل” بالسيد القائد العام للقوات المسلحة ، وهو عمل غير موفق ايضاً، لان الجميع يسلم ان اجهزة الاتصال مراقبة، وكان على السيد القائد العام للقوات المسلحة ان يستدعي سيادة الفريق ويحاوره في طلبه ، لا ان يكون “التفاهم” باجهزة الاتصال…

الاعلام الحكومي صمت ايضاً كعادته، تاركاً الحبل على الغارب، وكأن السيد القائد العام للقوات المسلحة لايملك “خلية اعلامية” وليس هنالك ناطق رسمي ولا ..ولا …الخ.

فكان صراعاً اعلامياً في حلبة “التواصل الاجتماعي” اولاً وفي وسائل الاعلام الاخرى ثانياً، كل يكتب حسب اهوائه ، فيما تعالت صيحات قادة الاحزاب وصدرت البيانات ما بين موافق للاجراء وبين معارض، وفتحت القنوات “المضادة” ابوابها  لتكون منبراً لهذه الشخصية السياسية او تلك، وحتى وصل الامر بالسيد صالح المطلك ان يطالب باسقاط الدولة وليس الحكومة فقط!!.

الغريب بالامر ان الكتب الرسمية الصادرة من وزارة الدفاع او المؤسسات الامنية، ومكتب القائد العام يتم تداولها وكأنها ورقة يانصيب وليس اوراق سرية، ولا شك فيها الصادق والمزور، وسط صمت حكومي مطبق..

نحن كشعب من حقنا ان نسال عن المؤسسات الحكومية وادائها وواجباتها ، فليس هنالك من يتابع هذه الوسائل في اي حدث يجري في البلد، بل الاغرب انها باتت تقلد “الشرقية” و “هنا بغداد” و”دجلة” و”الحرة عراق” في “صراع الديكة” بين المتحدثين!!.

الفريق عبد الوهاب الساعدي ، اختار طريق “الاعلام” دون ان يتصل باي من الشخصيات السياسية في البلد، فالجميع قد تفاجؤوا بخبر احالته الى “الامرة” اولاً، وبخبر ظهوره على “الشرقية” ثم بقية القنوات ليعرض مظلوميته، مما ولد ردة فعل سلبية ضده، حيث كانت قنوات الاتصال حاضرة مع القادة السياسيين ، وهو يعرف تاثير “هؤلاء” في القرار السياسي او الاداري، وهو يعرف منبر الاعلام، فيعود لعدة اسباب، اهمها الفوضى التي يعيشها البلد، وعدم معرف الشخصيات الادارية او الامنية بآليات العمل، وان قائداً ميدانياً بحجم الساعدي كان من المفروض ان يكون الاكثر احتراماً للسياق الاداري، حتى ولو كان يعمل في ظل دولة ضعيفة لانها جزء من تاريخه وسجله في التعاطي مع الحدث, فلا يمر شهر الّا ونسمع خبر احالة العشرات من الجنرالات الكبار في الجيش التركي على التقاعد دون أن ينبسوا ببنت شفة لانهم سيحالون الى المحاكم العسكرية !!

لم يكن يعلم الفريق الساعدي انه ارتكب خطأً فادحاً في اختياره للاعلام منبراً لمظلوميته لان الذين مدحوه، لم يضيفوا شيئاً الى سجل بطولاته وشجاعته في سوح الحرب ضد الارهاب، اما الذين ذموه فقد كشفوا عن اوراق وامور “ذاتية” تخص مكتبه وغيرها، والشاعر يقول “قد قيل ما قيل ان صدقاً وان كذباً”، فان ظهر على الاعلام وكذبها لاتصب لصالحه، وان تركها فقد ترسخت في ذهن الناس!!.

هذا دليل انه لم يستشر احدا، من جهتها فان الحكومة كعادتها تترك الشعب “يختصم” فيما بينه ، وهي “تنام ملء جفونها عن شواردها” والخاسر الاكبر هو الشعب الذي يعيش حالة من القلق والخوف والتردد والذي دفع باسر كثيرة ان تلقي نفسها في البحر او تفر الى دول مجاورة طلباً للامن والاستقرار ، حتى بات العراقيون الاكثر شراءً للمساكن في تركيا مثلاً.

ان الاعلام الحكومي وسيلة للتعبير عن “الراي الرسمي” ومصدراً مهماً لحزمة كبيرة من البيانات والمعلومات التي تخض شؤون الدولة والحياة، باعتبار ان “الدولة” مناطة بها الامور العليا للبلد، وهي معنية بحياة المواطنين واستقرارهم وسبل عيشهم، وان ترك الساحة “للاعلام الاخر”، يمثل هزيمة اولاً لهذه المهمة السامية، وثانياً سيوفر فرصة لاعداء البلد، في ان يصمموا الحياة السياسية والاجتماعية وغيرها وفق اهوائه

عن الكاتب

klaybooords

اترك رد إلغاء الرد

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.