دين وحياة

مفترقات مسالك أهل الباطن


نعمه العبادي ||

يطلق اصطلاح اهل الباطن ويراد به الذين يؤمنون بالمعرفة الوجدانية والقلبية، ويقدمون اصلاح الباطن على الظاهر، وفي الغالب يعتمدون التأويل اكثر من التفسير، إذ تجمع هذه المحددات معظم الاتجاهات الباطنية بمختلف تسمياتها وتوجهاتها وارتباطاتها واديانها ومذاهبها وطرقها وفلسفاتها.
قامت جملة من الاتجاهات الدينية والفلسفية على النهج الباطني بشكل رئيس، كما هو الحال في اتجاهات التصوف والفلسفة البوذية والزرادشتية والماوية وغيرهن، وشهدت بعض الاتجاهات إنقساما بين متبعيها، ما بين من مال إلى تغليب الظاهر ومن مال إلى تغليب الباطن، وعند النظر في ادوات وطرق معظم الاتجاهات الباطنية، نجدها تشترك في عدة ادوات ووسائل من اهمها:
– الميل الى الانعزال وقلك مخالطة العامة، والانشغال بالذات بشكل اكبر.
– عدم الاهتمام بمظاهر الحياة، والتوجه الى الزهد وقلة المؤنة.
– قلة الطعام والشراب وتفضيل الصوم ولو جزئيا.
– الاستدامة على مجموعة من الرياضات الروحية والباطنية وتكرار مجموعة من الاوراد والاذكار.
– الارتباط الروحي والولائي بمعلم او شيخ او موجه، يتم من خلاله ضبط مسار التوجه الباطني.
– إلتزام السر في الموقف العقدي والفكري، والتصريح بشكل محدود عن التوجهات النفسية.
– العمل بمنهج المداراة مع الاتجاه التي يختلف معها.
وقد أوهمت تلك المشتركات معظم الذين بحثوا في المسالك الباطنية بوحدة المنطلق لجميع تلك الاتجاهات، حيث يعيدهم المعظم الى ما يسمى بالفلسفة او الاتجاه الغنوصي الجواني الباطني، ويزيد البعض على ذلك، القطع بوحدة الاسباب التي دعت الى خلق هذه التوجهات، ويربطها آخر بنزعات انعزالية جاءت كردات فعل على السلوك العام او السلوك السياسية، ويراها آخرون، بأنها من حيل الساسة ودهائهم لابعاد الناس عن مسرح الحياة العامة.
يظهر معظم اهل الباطن تقاربا لنظرائهم من القائلين بدعوات او مناهج باطنية مشابهة مع اختلاف الاسم والعنوان، ويوجد، صراع، حول ترتيب سلم الابوة والبنوة لهذه الاتجاهات، إذ يجادل كل اتجاه حول اسبقيته المعرفية والباطنية والاولوية.
مما لا شك فيه، ان تزكية النفس وتنقية الباطن وتطهير الجواني وتقوية المعنى والوجدان، أهم الغايات التي استهدفتها الاديان والاتجاهات الاخلاقية والفكرية، ولعل بعضها، يجعل شروط المؤمن الحقيقي في هذه التوجهات، لذا، فإن درجات من الباطن والمعنى، لا جدال ولا نقاش حول مطلوبتها بوصفها مدخلا لازما للايمان الحقيقي، ويتبع ذلك تجنب الرزذائل الاخلاقية والسفالات السلوكية، وهذه الامور، لا يمكن تحصيلها، إلا من خلال رياضات روحية ونفسية وباطنية ومجاهدات اخلاقية محددة، إلا ان ما هو محلا للجدل والنقاش ما زاد على ذلك، بل، جوهر الخلاف، في عد الوجدان والباطن، المنهج الاحق بالاتباع، والدليل القيم على كل الادلة، وان المعرفة الحقة والحقيقية منحصرة به ومن خلاله.
تكمن المشكلة في التصور الذي يقدمه كل اتجاه باطني لمغزى وغايات نهجه، فمعظم التوجهات الباطنية تجعل اصلاح الباطن غاية عليا، تدور حولها وتنتهي عندها، لذا يصبح الشيخ او المربي او المشرف بمثابة (الرب) لتابعه من حيث لا يحتسب، فهو، لا يتخطى عتبة هذا الشيخ او المعلم في النظر لما وراء ذلك، كما ان المشكلة الاكبر، تكمن في النظرة الكلية العليا لموقع الشخص ضمن دائرة التخطيط الكوني الاعلى.
يتميز المنهج الباطني (العرفان الحقيقي) المرتبط بمدرسة محمد وآل محمد عليهم السلام بتجاوز كل الاشكاليات التي تطرح على المناهج الباطنية وذلك من خلال نقاط الافتراق الآتية:
– لا يسمح هذا النهج بالانعزال عن الحياة العامة إلا في حدود تجنب مجالس السوء وعدم الانشغال بالسفاسف والمثابرة على بناء الذات، وما عدا ذلك، فإن المؤمن ملزم بالانخراط بالشأن العام (ليس منا من لم تهم امور المسلمين)، وان الامر بالمعروف والنهي عن المنكر سنام الايمان وحرزه الحصين، وان الرفض القلبي هو اضعف الايمان.
– يعد الطريق الوجداني والقلبي احد اهم مداخل المعرفة الذاتية، وبه يتكون البناء القلبي للايمان إلا ان هذا الطريق لا يمكن استخدامه كحجة على الآخرين، بل، لا بد من حجة العقل وحكومة الظاهر، واستعمال الطريق المعهود والمعروف لعامة الناس.
– ان المعطيات الباطنية مواهب وارزاق ربانية، يتحف بها العبد من ربه، فلا ينبغي التبجح بها، ولا افشائها في الفضاء العام، وكلما، حدث واشاع الشخص هذه التحف، فإنه يفقد امتيازاتها تدريجيا، بل تنقلب إلى ضدها بمرور الزمان، وتصبح ويلة على محدثها.
– ان النهج الباطني ما هو إلا مقدمة آلية للوصول إلى الايمان الحق، والذي بدوره مقدمة للإنتظام في المهمة الربانية الكبرى التي جاءت من اجلها كل النبوات، ضمن التخطيط الرباني الاعظم، الذي يوصل الى (ليعبدون)، لذا فإن الوقوف عند عتبة اصلاح النفس والرياضات الباطنية يساوي نكوصا وشركا خفيا، لا يختلف كثيرا عن الشرك الظاهر.
– لا تطرح مدرسة آل محمد عليهم السلام أية موارد معرفية غير القرآن الكريم والسنة المطهرة الصحيحة، إذ ان اي مصادر خارج دائرتهما، لا تنتج إلا الزيغ والإنحراف.
– توازن هذه المدرسة بشكل منتظم بين البناء الروحي – القلبي والبناء العقلي، وتهتم بكلا المسارين، وترى العلاقة بينهما تكاملية ضرورية بخلاف المناهج الاخرى التي ترى العلاقة بينهما علاقة تنافي وتضاد.
– لمنهج العرفان الحق في منظور مدرسة اهل البيت عليهم السلام اب وام حقيقيان هما (علي وفاطمة) سلام الله عليهما، واية مقاربات بعيدة عن (الاب والام) باطلة وشاذة.
أسال المولى القدير بمحمد وآله ان يصلح سرنا وسريرتنا.

عن الكاتب

د.نعمه العبادي

اترك رد إلغاء الرد

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.