دراسات و بحوث

العلمانية بين شريعة محمد وشريعة عيسى/ 7


علي المؤمن ||

بذل علمانيو البيئة الإسلامية قصارى جهودهم للمساواة بين الديانة المسيحية الأوروبية الثيوقراطية السلطوية وقاعدتها الروحية الأخلاقية العيسوية، وبين إسلام محمد بن عبد الله وشريعته، وصولاً الى استخدام معادلات الانقلاب العلماني الأوروبي على المسيحية الأوروبية التلفيقية، وإسقاطها على الواقع الإسلامي، وكان هدفهم فرض مخرجات عصر (التنوير) العلماني الأوروبي وفكره ونظمه الاجتماعية والسياسية والاقتصادية، على بلاد المسلمين، أي أنه هدف عقدي استعماري، وليس هدفاً نهضوياً، لأن هذه المساواة والاسقاطات، مبنية على الجهل بجدلية العلاقة بين التراكم التاريخي للوقائع الاجتماعية، والذي يعطي للبيئة الاجتماعية خصوصياتها وأنماط حياتها وفلسفتها في العيش، وكذلك الجهل بالفرق الجوهري بين الديانتين الإسلامية والمسيحية، أي أنها تشبيهات وإسقاطات متهافتة، وتعاني من انسدادات فكرية عميقة.
وبمراجعة متأنية لمبادئ الإسلام وتعاليمة وأصوله وفروعه وأحكامه؛ يمكن بسهولة وعي حقيقة استحالة الفصل بين منظومة الشريعة الإسلامية، وبين الشأن العام والدولة والسياسة والاقتصاد والثقافة المجتمعية؛ فأغلب أحكام الشريعة، تنطوي على أنساق ونظم اجتماعية لتنظيم حياة المسلمين بكل جوانبها، سواء في الجانب العبادي والروحي أو في الجوانب الاقتصادية والسياسية والثقافية والقانونية، أي أن السياسة والعمل السياسي وأهداف العمل السياسي والممارسة السياسة والحكم؛ كلها جزء من شريعة الإسلام وثوابته، كما إن السياسة والحكم في القرآن وسنة رسول الله والأئمة، ليسا فعلاً أو فكراً أو هدفاً مستقلاً عن الدين وشريعته، بل هما جزء لايتجزء عن الإسلام. كما لايوجد فصل – مطلقاً – بين أجزاء الشريعة الاسلامية، فهي تكمل بعضها الآخر. وهذا كله غير موجود في دين السيد المسيح وسنته وسيرته.
وعليه؛ فإن ثنائية الدين والسياسة أو الدين والدولة، لاوجود لها في الإسلام، لأن هذه الثنائية هي نتاج دين مختلف عن الإسلام، ومناخ ديني فكري سياسي مختلف عن مناخ الشريعة الإسلامية ومخرجاتها، إذ ظل المناخ الأوروبي يعيش طيلة قرون طويلة معادلة الصراع بين النظم الثيوقراطية والملكية المطلقة والكنيسة من جهة، والمقاومة العلمانية الأوروبية ذات الجذور الوثنية من جهة أخرى، والتي انتهت الى ما عرف بعصر التنوير والنهضة الأوربية الفكرية والعلمية والقانونية والسياسية، وظهور الأنظمة العلمانية (الليبرالية الديمقراطية)، بدءاً من أواخر القرن الثامن عشر الميلادي. وهي وقائع تراكمية تاريخية لاتمت الى مناخ الشريعة الإسلامية بأية صلة.
ولذلك؛ فإن قياس الاسلام وشريعته، على الديانة المسيحية والنظم الثيوقراطية الأوروبية، إنما هو قياس باطل منهجياً، وكذلك قياس الصراع بين الكنيسة وجماعات التنوير في عصر النهضة الأوربية، على المنظومة الدينية الإسلامية وعلاقتها بالواقع الاجتماعي لبلاد المسلمين، هو قياس باطل أيضاً، لأن هناك اختلافاً حاسماً وأساساً بين الشريعة الاسلامية والعقيدة المسيحية، وبين سلطة الكنيسة ودورها من جهة، وسلطة الشريعة الإسلامية ودور المرجعية الدينية الإسلامية من جهة أخرى. فديانة النبي عيسى المسيح الأصلية، هي عبارة عن تعاليم روحية وأخلاقية، ولايوجد فيها شريعة ولانظم اقتصادية وقانونية وسياسية وجهادية، كما أن النظام الكنسي برمته هو مخلوق بشري بالكامل، وليس له أي أصل تشريعي ديني. وبالتالي؛ فإن العلمانية هي نتاج محلي أوروبي مسيحي، ذو جذور وثنية، ومفصل على مقاسات المناخ الأوروبي وديانته ومخاضاته وظروفه وصراعاته الاجتماعية، ولايمكن أن تكون منظومة فكرية سياسية إنسانية عامة، يمكن استيرادها وفرضها على بيئات أخرى مختلفة، كالبيئة الإسلامية.
أما ديانة النبي الخاتم محمد؛ فإنها ترتكز على عقيدة وشريعة متعاضدتين، تستوعبان كل النظم الحياتية، كما تشتملان إلزاماً على سلطة تنفيذية تعمل على تطبيق هذه النظم بالوسائل التي حددتها الشريعة نفسها، أي أن الإسلام لايتضمن عقيدة وشريعة وحسب، بل يحتوي على أدوات مقننة حاسمة لحماية العقيدة وتطبيق الشريعة وتنفيذ أحكامها، وهو ما تفتقد اليه كل الديانات الأخرى، ما يعني أن العمل السياسي في الإسلام يقننه الفقه السياسي الاسلامي ويهدف الى تطبيق الشريعة الاسلامية من خلال المرجعية الاسلامية والدولة.
لذلك؛ أرى من الضروري جداً أن يطّلع العلمانيون في البلدان الإسلامية على أحكام الشريعة الإسلامية في مصدريها الأصليين (القران والصحيح من السنة الشريفة) والمصادر الاجتهادية، خاصة الأحكام الاجتماعية، بدلاً من إطلاق الأحكام جزافاً، وتقمص شخصية المفتي بدون علم، وليتعرفوا على مستوى موضوعية فتاواهم القاضية بفصل الإسلام عن السياسة والدولة وعموم الشأن العام، وفيما لو كان ذلك ممكناً من منظار الإسلام !!.
ربما يمكن للمسيحي أن يقول بأن المسيحية هي ديانة تربط الفرد بخالقه فقط، ولاعلاقة لها بالسياسة والدولة والتشريع، ولعله يستدل على ذلك بأن السيد المسيح لم يؤسس دولة ولم يأمر أتباعه بتطبيق أحكام الشريعة المسيحية، بسبب عدم وجود فقه اقتصادي وفقه مالي وفقه سياسي وفقه جهادي وفقه معاملات وعقود فيها، ولكن؛ ماهي حجة المسلم العلماني حين يزعم أن الدين الإسلامي لاعلاقة له بالسياسة وبالدولة، وليس فيه نظرية اقتصادية ولانظرية سياسية ولا نظرية قانونية؟!
ــــــــ

عن الكاتب

د.علي المؤمن

اترك رد إلغاء الرد

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.