دين وحياة

نفحات قرآنية ( 32 )


رياض البغدادي ||

بسم الله الرحمن الرحيم
قَالَ كَمْ لَبِثْتُمْ فِي الْأَرْضِ عَدَدَ سِنِينَ (112) قَالُوا لَبِثْنَا يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ فَاسْأَلِ الْعَادِّينَ (113) قَالَ إِنْ لَبِثْتُمْ إِلَّا قَلِيلًا لَوْ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (114) أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ (115) فَتَعَالَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْكَرِيمِ (116) سورة المؤمنون

قوله تعالى ( قَالَ كَمْ لَبِثْتُمْ فِي الْأَرْضِ عَدَدَ سِنِينَ ) هو سؤال للتوبيخ وبعث الحسرة في نفوسهم ، واما جوابهم فلم يكن كذبا لامتناع الكذب في ذلك اليوم .
وقوله تعالى ( قَالُوا لَبِثْنَا يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ ) ذلك لانهم وجدوا ان الدنيا لم تكن الا يوم او ، اقل نسبة الى طول مدة الاخرة ، أو انهم نسوا لكثرة ما هم فيه من أهوال ، وقيل انهم تحقيرا لمدة حياتهم في الدنيا قالوا يوم أو بعض يوم .
واما السؤال عن اي لبث كان ؟
فقيل هو سؤال عن لبث الدنيا ، وهو اقرب لمن قال ان السؤال كان للتوبيخ ، وقيل السؤال عن لبث الموت ، لان اللبث في الارض غير اللبث على الارض .
وقيل ان قوله تعالى ( كَمْ لَبِثْتُمْ فِي الْأَرْضِ ) يفيد بعدم وجود عذاب القبر ، فلو كان هناك عذاب في القبر لعلموا مدة مكوثهم ، لان ايام العذاب تعد ولا تعد ايام النعيم .
وجوابه من وجهين :
الاول ان الجواب يجب ان يكون بحسب السؤال ، وانما هم سُئِلوا عن موت لا حياة بعده ، وذلك لا يكون الا بعد عذاب القبر .
والثاني ربما هم سُئِلوا عن قدر اللبث الذي اجتمعوا فيه ، فلا يدخل في ذلك تقدم موت بعضهم على بعض .
وأما قوله تعالى ( فَاسْأَلِ الْعَادِّينَ ) ففيه وجوه :
الاول . المقصود بهم الحفظة الذين يحصون الاعمال .
الثاني . المعنى فاسأل الملائكة الذين يعدون ايام الدنيا وساعاتها .
الثالث . المعنى أسأل من يعرف ذلك لاننا نسينا .
الرابع . قرأوا العادين بالتخفيف والمعنى الظلمة فأنهم يقولون ما نقول .
الخامس . اي اسأل المعمرين فأنهم يستقصرونها فكيف بنا نحن ؟
أما قوله ( إِلَّا قَلِيلًا ) أي صدقتم ، انما كان لبثكم قليلا ، فظهر ان السؤال كان لبيان قلة ايام الدنيا. وقوله ( لَوْ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ ) اي لو كنتم علمتم الحشر الذي انكرتموه .
ثم بين تعالى ماهو أعظم في التوبيخ والتقريع فقال تعالى (أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ ) وفيه مسألتان :
الأولى . أي ما خلقناكم للعبث .
والثانية . لما شرح الله صفات خلقه للدنيا والاخرة ، ختم كلامه بدلائل وجودهما ، وحينئذ يكون خلق هذا العالم ليس عبث ، وانما جاء بتخطيط ومواقيت وايام وساعات وحساب وكتاب ، وليس مجرد لهو وعبث .
وأما الرجوع الى الله فتعني رجوع امركم اليه وليس الرجوع المكاني ، لتنزه ساحة قدسه عن المكان والزمان ، وقيل هو الرجوع الزماني ، لان رجوعهم الزماني انكشف بعد اقرارهم به ، وليس المراد انكم في زمان كان امركم يرجع الى غير الله ، بل ان امركم في كل زمان كان لله وحده ، الا انكم لم تكونوا مقرين به ، ولهذا جاء التنزيه بقوله تعالى ( فَتَعَالَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ ) فبين تعالى ان الملك له وحقه ، لثبوت مالكيته بأقرار كل منكر ، وهو ( رَبُّ الْعَرْشِ الْكَرِيمِ ) وفي العرش اقوال قد تكلمنا فيها سابقا فيحسن الرجوع اليه.
والله العالم
ـــــــــــــ

عن الكاتب

رياض عبد العزيز البغدادي

اترك رد إلغاء الرد

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.