دين وحياة

نفحات قرآنية ( 34 )


رياض البغدادي ||

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
” سُورَةٌ أَنْزَلْنَاهَا وَفَرَضْنَاهَا وَأَنْزَلْنَا فِيهَا آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ (1) ” سورة النور
قوله تعالى ( سُورَةٌ أَنْزَلْنَاهَا ) الا يدل الانزال على أنه تعالى في جهة ؟
جوابه يحتمل ثلاث احتمالات :
الاول . ان الملائكة أنزلته من اللوح المحفوظ .
والثاني . أنه أنزل من ام الكتاب ثم الى السماء الدنيا .
والثالث . المعنى إننا أعطيناه للرسول كما يقول العبد إذا كلم سيده أنه رفع اليه حاجته والإنزال من السيد الى العبد وكما يقال ” نزل الأمر الديواني ” إذا صدر .
واما معنى ( وَفَرَضْنَاهَا ) بالتخفيف فتعني قطعناها له ، كما في قوله تعالى ( فنصف مافرضتم ) سورة البقرة الآية 237 أي ما قدرتم ، وتحصيل الحاصل أن الله تعالى فرض مافيها من أحكام ، حيث إن أكثر سورة النور أحكام . وأما القراءة بالتشديد فتعني المبالغة أو التكثير ، فالمبالغة مناسبة لسورة أغلب ما فيها أحكام . وأما التكثير ففيه قولين :
اولا . ان الله تعالى بين فيها أحكام مختلفة وكثيرة مفروضة .
ثانيا . إن الله أوجبها على كل مكلف مدى الدهر .
قوله تعالى (وَأَنْزَلْنَا فِيهَا آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ ) فيه ثلاث وجوه :
الاول . ان الله ذكر في أول السورة الأحكام فقال ( وَفَرَضْنَاهَا ) وفي نهاية السورة كانت دلائل الوحي فقال جل ذكره (وَأَنْزَلْنَا فِيهَا آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ ) ومما يرجح هذا التأويل قوله (لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ ) فهم لم تفرض عليهم بعد أحكام تحتاج للتذكير أما دلائل التوحيد فهي معلومة لانها دلائل عقلية.
الثاني . ربما الآيات البينات هي ماذُكر في السورة من أحكام و يؤكد ذلك قوله تعالى ( ربي اجعل لي آية ) اي اجعل لي حكم قال ( آيتك ان لا تكلم …) فرض عليه حكم الصوم عن الكلام . فسمى الحكم آية.
الثالث . ان السورة اشتملت على الكثير من المباحثات إضافة الى الأحكام وفي تلك المباحثات التي بينها الله تعالى ، كان بيانه مفصلا اي بيناً فقال ( بَيِّنَاتٍ ) .
قوله تعالى ( لَعَلَّكُمْ ) وفيها ان كلمة لعل للترجي والإشفاق ، وهما يصدران عمن لا يعلم عاقبة الأمر ، وهذا محال على الله تعالى ، فلابد من التأويل وهو على خمسة وجوه :
الاول . ان معنى لعل راجع الى العباد ، كما في قوله لموسى وهارون ( لعله يتذكر او يخشى ) ، أي إذهبا أنتما الى فرعون على رجائكما في إيمانه ، اما الله فيعلم عاقبة الامر .
الثاني . ان عادة الملوك يقتصروا في وعدهم أن يقولوا لعل أو عسى ، أو مجرد ابتسامة تبدي منهم الرضا ، وهذا فعل المتكبر الذي لا يٌلزم نفسه بوعد لمن هو أدنى .
الثالث . لعل بمعنى (كي)لاجل الإطماع .
الرابع ان الله تعالى أعطى البشر العقل والتمييز ، و من يعطي مثل ذلك غير الله فأنه يرجوا حصول المقصود ، و لعل فعل ما لو فعله غيره تعالى لكان موجبا للرجاء ، وهو قول ضعيف فيه تكلف كما ترى.
الخامس . ان لعل تفيد التكرير واللام زائدة للتوكيد ، واصلها (علَ) أي افعل علك تحصل على مرادك . .. والله العالم
ــــــــ

عن الكاتب

رياض عبد العزيز البغدادي

اترك رد إلغاء الرد

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.