مقالات

أمريكا ((تعوض)) هزيمتها بالشرق الاوسط بأزمة ((التظاهرات))

محمود الهاشمي

ليس المهم ان تحتل منطقة , عسكرياً انما الاحتلال الحقيقي في انك تستطيع ان تديم وجودك فيها عبر سلسلة من الاجراءات في الادارة وتوفير سبل العيش عبر التركيز على (التمنية الاقتصادية) والمتمثلة بأنخفاض مستوى الفقر والجوع والامراض وهبوط الجريمة والفساد وتوفر السكن الضروري للافراد ، وخلق بيئة للاستثمار ، واذا لم تستطيع ان تقيم مثل هذا الواقع وتدعمه ، فان (الانتصار العسكري) سوف يتهشم من الداخل ، وينمو السخط والاحتجاج وقد يتحول الى عامل شغب وغضب … وبالقدر الذي كان فيه الاتحاد السوفيتي يطور الالة العسكرية وينفق المليارات من الدولارات لتطوير الاسلحة ، كان هناك اهمال واضح للتنمية الاقتصادية ، والذي راهنت عليه الولايات المتحدة في صراعها معه ، وانتهت الى تهشيم هذا البلد المتمدد على قارتين وبأكبر مساحة وثروات متعددة من نفط وغاز وغيرها ، ليصبح بين ليلة وضحاها شتاتاً مجزأ الى دول بأشكال واسماء مختلفة !!

لقد ادركت الصين هذه (المشكلة) فلم تنتظر أن يتحول سخط الجوع والفقر وتدني المستوى المعاشي الى ثورة قد تطيح بأكبر أمبراطوية في عدد السكان ، فاستبق  الرئيس (دينغ شياو بينغ) ذلك بحزمة اصلاحات اقتصادية حركة العقول أولاً ثم الايمان بالاصلاح لتكون البلد الاول في النمو الاقتصادي  بعد أن ابتدأت  تجربتها منذ  عام (1975) ، وتحولت الى عنوان كبير للنجاح وضمان  حياة مستقرة لشعبها ولثورتها ووجودها …

ادركت الولايات المتحدة ان هزيمتها في الشرق الاوسط باتت (محسومة) وانها بحاجة ان تتجه الى المحيط الهادي حيث خطر (التنين الصيني)، كما ادركت انها واصدقاؤها قد خسروا المعركة العسكرية مع  (المقاومة) ، لكنهم وجدوا في (الحرب الاقتصادية) السبيل الامثل لمواجهة هذه (الهزيمة) فشددوا الحصار على  الدول الداعمة  مثل ايران ولبنان والعراق ، مما ترك اثراً سلبياً على حياة شعوب هذه الدول ، ناهيك ان الادراة الامريكية تدخلت كثيراً في صناعة الحكومات في العراق حيث الدستور (المليء بالالغام) و حيث (النظام الطائفي) و(التوافقية) و (الشراكة)  البعيدة عن تقاليد الديمقراطية ، بالاضافة الى دعم الشخصيات الفاسدة ، وتشجيع ادارة الحكومات على ممارسة الفساد ، وتعويق الاستثمار والتنمية بكل اشكالها ، ولا ننسى استنزاف أموال الدولة في المعارك ضد الارهاب ، بعد ان صنعت التنظيمات الارهابية ودعمتها ووفرت لها سبل احتلال ثلث ارض العراق ومثلها في سوريا ايضا ، ناهيك عن دعم مشاريع الانفصال لدى الاكراد .

ان نشوة الانتصار العسكري بخروج القوات الامريكية من العراق عام 2011 بعد تكبيده خسائر فادحة ، ونشوة استعادة الارض وتحريرها في سوريا والحفاظ على اصل النظام والمؤسسة العسكرية ، وسلسلة الانتصارات ا لتي حققها (حزب الله) في لبنان ضد اسرائيل وانتصارات (الحوثيين) في اليمن وانتصارات حماس في غزة ، والانجازات العسكرية لايران ضد أمريكا في اسقاط طائرتها المسيرة المتطورة والنجاح في ادارة حرب الناقلات لم يعد كافياً في هزيمة أمريكا ، فما زالت لديها أدواتها (الاقتصادية) القادرة على اثارة الشارع واحراج الحكومات ، والعمل  على افراغ الانتصار العسكري من محتواه …

في العراق ، ليس هنالك من تنمية ، فما زالت المصانع معطلة والبنى التحتية مدمرة ، والزراعة متاخرة ، وان الدولة تدفع بأيامها بموازنة 80% تذهب للرواتب و 20 % للفساد الاداري والمالي .فيما هناك 4 مليون مواطن يسكنون العشوائيات ودون خدمات تذكر ، وقد تصاعد مستوى الفقر ومعه فقدان فرص العمل ، وما يجري في العراق يجري في لبنان ، عبر سلسلة اجراءات مصرفية وغيرها .. وبالقدر الذي عملت فيه امريكا على اضعاف الاقتصاد عملت على فت اللحمة الاجتماعية واشاعة الطائفية والقبيلة ، وفقدان الثقة التامة بالمؤسسة السياسية في معالجة مشاكلها  من خلال حربها الناعمة ..

لا نستطيع ان نقول أن ذراع المقاومة الذي حقق كل هذه الانتصارات في منطقة الشرق الاوسط وهزم امريكا ، عاجز في مواجهة التحديات الاقتصادية وان كان من المفروض ان يكون الانتصار العسكري مقروناً بالتخطيط الاقتصادي ايضا ..

تقول مجلة (فورين بوليسي) في عددها الصادر اليوم 23/10/2019 ( سرد المقاومة لم يضع الطعام على الطاولة).. واعتبرت المجلة ان هذا واحد من الاسباب المهمة التي استغلتها امريكا في اندلاع التظاهرات في بغداد وبيروت ، وتمكنت ان تديرها بمهارة بعد سلسلة من التحضيرات!!

لا نستطيع ان ننكر ان (اهمالا) كبيراً قد شمل الجانب الاقتصادي في البلدان التي حققت فيها المقاومة انتصاراتها ، في ذات الوقت لا ننكر حجم الانتصارات التي تحققت على ايدي المقاومة وهزمت اكبر قوة في العالم وجعلتها تفر من قلعتها الاساسية الشرق الاوسط مصدر الطاقة وعمق الموقع الاستراتيجي ، وجعلت الرئيس الامريكي ترامب يقول (لم يعد الشرق الاوسط في اولوياتنا))

كنت قد القيت عدة محاضرات في منتدى (اوراق) الثقافي في بغداد وبحضور بعض قادة (المقاومة) الذين كانوا يعيشون (زهو) الانتصارات على داعش يومها ولديهم رغبة في الدخول بالعملية السياسية في البلد ، وكانت تجارب الدول الاخرى حاضرة في الندوات ، مثل التجربة اليابانية والتجربة الفيتنامية والايرانية ، فهذه الدول خرجت من الحرب (محطمة) لكنها هرعت الى الاعمار والبناء واستفادت من الطاقة المعنوية (الجهادية) التي رافقت الانتصارات لتحولها الى طاقة للعمل ، وتحول امراء الحرب الى قادة سياسين ، القوا البنادق وحملوا أدوات البناء ، ويكفي التجربة الفيتنامية  شاهداً ان شعبها خرج من تحت الانقاض وعمر بلده … ربما هذه (الندوات) التي حوّلتها الى سلسلة مقالات لم تؤثر شيأً ، من جهتها فان الجمهورية الاسلامية انشغلت بالحصار الاقتصادي القاسي عليها ، وبالملف العسكري كونه كان الاهم والاخطر على مصير المنطقة برمتها .

لسنا (الان) امام متسع من الوقت لـ (التنظير) فقد وجد خصومنا في (بطون الجياع) ميداناً واسعاً لقتالنا وضياع دماء شهدائنا ، واعادتنا الى مربع (الهزيمة) ليستقيم عود اسرائيل ودول الخليج ، ويضطرنا تدهور واقعنا (الاقتصادي) لقبول (صفقة القرن)!

اقول ان خروج ابنائنا للتظاهر ، لم يكن بطراً ، فقد فاتنا الكثير في رعايتهم والاهتمام بهم ، بعد ان خرجناهم من الجامعات وانفقنا عليهم ليصطفوا مع ارتال العاطلين عن العمل ، وخذلناهم في  ادارة  الدولة ،مثلما خذلنا الارامل واليتامى وكبار السن ، الى درجة ان المواطن بات يرى في البحر سبيلاً للهروب من بلده وقد يكون سبباً للغرق والموت .!!.

نقول ان (المنازلة) في سوح الحرب هي ذاتها (المنازلة) في سوح الاقتصاد ، وان العزيمة التي واجهت اعتى دولة في العالم مازالت في نفوس اجيالنا ، وهي (شحنة) قادرة على هزيمة خصومنا لو عقدنا العزم بعون الله … ان اي خطوة الى (الخلف) تمثل بداية (للهزيمة) امام عدو لا يرحم ، فان تمكنت اسرائيل منا وتسنى لها الظرف ، لأفنتنا دون اي رادع قيمي او اخلاقي وهي التي ما انفكت تقتل  وتذبح وتدمر وتتآمر على امتنا منذ وطأت قدمها ارض فلسطين .

لا نملك سوى ان ننتخي انفسنا و (المقاومة)) في مواجهة هذا المخطط ((الشرس)) ، وان نقول أن (الارادة) وراء تطور الشعوب ، ويكفي ان نرى دولة مجاورة لنا (ايران) التي تحملت وزر (40) عاماً من الحصار ، وبدلاً ان تجلس نادبة حظها أو متوسلة بهذه الدولة أو تلك ، حولت خريطة بلدها الى مزرعة ومعامل ، حتى حين تدخل اسواقها لا تجد بضاعة الا وكتب عليها (صنع  في ايران) إن مقومات النهضة في بلدنا كبيرة ، من ثروات وموقع وطاقات بشرية تؤهلنا لصناعة تجرية تليق بتأريخنا ومكانتنا ، ويكفي شاهداً ان أمماً مسها الضر أكثر منا لكنها واجهت التحديات ونهضت …

صحيح ان ازمة (التظاهر) مقلقة ، ولكنها صيحات كي توقظنا من  سبات غفلتنا ، وهؤلاء الفتية المتظاهرون هم بناة المستقبل واعمار بلدهم ، ومثلما دعوناهم لسوح الحرب فكانوا عنواناً للنصر ، سندعوهم للبناء والاعمار ليكونوا عنواناً للنهضة الكبرى ان شاء الله

ـــــــــــــــــــــ

عن الكاتب

klaybooords

اترك رد إلغاء الرد

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.