دراسات و بحوث

العلّة الغائية تسبق الوجود، نبوة النبي محمّد (ص وآله) إنموذجاً


الدكتور علي زناد كلش البيضاني ||

هناك دلالات عميقة تكتنز الفضاء المعرفي وتسبح في لجّة بحر المشكلات الفلسفية باحثة عن إجابات لجدلية تتراءى للمتلقي بأنها من وحي التناقض يتلقفها الآخر بنحو تشكيكي ، وواحدة من هذه القضايا الإشكاليّة هي ما يُثيره البعض من تشكيك حول مسألة تختص بنبوة النبي محمّد ( ص وآله ) لتتفرع إلى فرعين وهما كيف يكون النبي محمّد ( ص وآله ) خاتم الأنبياء وأخرهم وهناك في المصادر ما يُذكر عن النبي محمّد ( ص وآله ) خلاف ذلك إذ روي عن ميسرة الفجر قال: قلت يا رسول الله، متى كنت نبيا ؟ قال ” وآدم بين الروح والجسد” ، وفي حديث آخر قال ( ص وآله ) ” كنت نبيا وآدم بين الماء والطين ” إذ كيف يكون آخر الأنبياء ـ خاتمهم ـ وفي الوقت نفسه يكون أولهم طبقاً لهذا الحديث ، ويضاف إلى ذلك أيضاً قول إن النبي محمّد ( ص وآله ) هو علّة الخلق وأول ما خلق الله تعالى نوره فكيف يتم التوفيق بين البداية والخاتمية ؟
نقول الآتي :
أن أرباب العلم والمتبحرين بهذا الخصوص يؤكدون إن العلّة الغائية وإن كانت متأخرة زمنياً في الوجود الخارجي ـ الدنيوي ـ إلا أنها تكون متقدمة زمنياً من حيث التصور والماهية ، والماهية عند أرسطو هي معنى ( عين معنى الوجود ) مأخوذا في مرتبة من مراتبه يكون فيها في غاية التّقدّم. ولكنّه لما تلّقى الفلاسفة المسلمون هاتين العبارتين ، وبخاصّة سابقهم والملّقب عندهم بالمعّلم الّثاني ـ أي الفارابي ـ فإنّه قد خَصَّصَ معنى عبارة الجوهر من عبارة الماهية، أو في الأقل، فإنّه قد حمّل هذه العبارة الأخيرة معنى أعمّ من المعنى اليوناني القديم.
ولنعطي مصداقاً توضيحياً فمثلاً إن الذي يريد أن يبني بيتاً فعلّته الغائية ـ أي سبب إيجاده ـ هو السكن فيه وهنا يكون التصور والماهية قد تقدمت على بناء البيت ووجوده في الخارج ـ أي البناء المادي الظاهر للعيان ـ لكن السكن في هذا البيت لا يتحقق إلا بعد توفر قطعة الأرض ومواد البناء وعمّال البناء ومن ثم تكتمل الصورة النهائية في الخارج المادي ألا وهي العلّة الغائية ـ السكن ـ ، وكما تكون صناعة كرسي معين لغاية الجلوس عليه ـ وهنا تصور أسبق من الوجود ـ كذلك لا يكتمل إلا بعد توفر الخشب والمسامير والنجار ـ الوجود ـ الخارجي ـ لذا نقول بأن ولادة النبي محمّد ( ص وآله ) على المستوى الدنيوي الخارجي لا يضر تأخر وجوده الشريف عن الاحتياج له كذلك صفة النبوة في ذلك العالم كانت روحية ولم تكن بالمستوى المادي الدنيوي ـ يوم المبعث ـ الذي أُعلن رسمياً كتبليغ للرسالة وإداء المهمة ، وإلا أن النبي محمّد ( ص وآله ) كان نبياً قبل بلوغه سن الأربعين عاماً ، ثم إن هذه الخاتمية لا تعني وجود خلل ما بل إنها أشرفية تكاملية للنبي محمّد ( ص وآله ) لأن الخاتمية تعني كمال الأشياء والمنتهى إليه ـ أي اكتمال البنيان الديني ـ ، وهنا نخلص إلى نتيجة إن العلة الغائية ـ النبوة ـ كانت متقدمة من حيث التصور والماهية على الوجود الخارجي المادي أي بعد ولادة النبي ( ص وآله ) ووصوله إلى سن الأربعين وإعلان النبوة رسمياً .

عن الكاتب

د.علي زناد كلش البيضاني

اترك رد إلغاء الرد

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.