ثقافية

استكان چاي عراقي مهيل..الأصالة تواجه الثقافة الدخيلة


د.أمل الأسدي ||

لكل شعب من الشعوب طقوسه الخاصة وعاداته وتقاليده التي تميزه عن غيره،وأحيانا تجمعه مع غيره من الشعوب،وفي العراق تجد الكرم المتفرد وتشهد حالات عجيبة من الكرم وحسن الاستقبال والإيثار ولاسيما في مواسم الضيافة كأيام الزيارة الأربعينية والزيارة الرجبية وزيارة استشهاد الإمام الكاظم (ع) والزيارة الشعبانية وهكذا حين تدخل كل منزل من المنازل وفي أي وقت كان.
فنستقبل الضيف بابتسامة طازجة،وكلمات ساخنة لم تذق في حياتها ثلجا ولاسُباتا!!
ولا نسمح للضيف أن يغادر من دون أن نقدم أجود ماعندنا،وتتفنن ربة البيت في صنع أطيب الأطباق العراقية الممزوجة بحنان الأم ومحبتها لأسرتها وللناس جميعا!
ثم يأتيك (الچاي المهيل المخدر) ولابد أن يكون ساخنا لاذعا،فلا نقدمه فاترا أو بحرارة صامتة!
لابد أن يكون من (راس القوري) وبأجمل(الاستكانات) ولابد أن تركض رائحته نحوك قبل أن يأتيك!
ولاسيما وأنه يُترك(ليتخدر) علی نار(اللمپة أو المكينة) أو جمر الفحم أو الخشب أو (الصوبة) شتاءً،وكثيرا ما نفضل أن نصبه أمام الضيف كي يكون بأوج حرارته،وكي يشعر الضيف بدفء المنزل ودفء(اللمة) وكأنه بين أهله وأسرته!
وليس من طبعنا ـ غالبا- أن نقدم القهوة،فنحن جميعا نميل الی الشاي،ونتغزل به ونقول:(هذا چاي يعدل الراس)(وهذا چاي يصعد للدماغ) وكذلك ليس من طبعنا أن نفرغ الشاي في(الترمز) فيكون باردا بعض الشيء، ولونه(خابط) فنعد ذلك عيبا وليس من الكرم و لا من الاهتمام بالضيف!
وأستغرب كثيرا الغزو الذي يلاحق عاداتنا وطقوسنا،فالأسواق مليئة(بالترامز) المكتوب عليها (شاي أو قهوة) وهذه ليست من بيئتنا وليست من عادات أهلنا،فنحن نبحث عن الأشياء الطازجة الساخنة المعبرة دوما،ومثل ذلك نسمع من الشباب كلمة(فديت)وكلمة (حبيت) نسمعها باردة غريبة عن محبتنا المشتعلة التي تقول:(فدوة اروحلك) وتقول:(يابعد روحي)فشتان بين عاداتنا و(حچاياتنا الحلوة) تلك(الحچايات) التي تجعل الساعات كأنها دقائق سريعة ،والحچايات الميتة المتصحرة،ورحم الله جدي الشيخ جاسم محمد الأسدي إذ كان يصلي الفجر ويبقی مستيقظا،فيشعل(منقلة الخشب) في باب منزله في الكرادة الجميلة،وتناوله جدتي( قوري الچاي المهيل فيخدر علی الجمر) ويجتمع الجيران حوله صباحا،لتمر الساعات خاطفة مسرعة،وتسمع كلمات المحبة من الوجوه الجالسة المحلِّقة حول (المنقلة) وحول(سوالف جدي):
خل نگوم لاشغالنا،النار سحارة يا يابة وسوالفك هم تسحر!
ــــــــ

عن الكاتب

د. امل الأسدي

اترك رد إلغاء الرد

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.