ثقافية

كيف تكون كاتباً محترفاً في سنة واحدة؟


د.علي المؤمن ||

سألني بعض الأحبة عن أسهل وأسرع طريقة لتعلم الكتابة الصحفية والبحثية الاحترافية.
أقول: لا توجد طريقة سهلة وطريقة صعبة، أو بطيئة أو سريعة، بل توجد طريقة واحدة فقط، منتجة وناجحة، وهي الطريقة “المكثفة المركزة”، وهي دورة مدتها سنة واحدة.
هذه الطريقة التي أود الحديث عنها بٍإيجاز، هي نتاج خبرة تراكمية في الكتابة الاحترافية، عمرها أكثر من أربعة عقود، تسبقها ثلاث سنوات من الهواية. وقد التزمت، منذ اللحظة الأولى لقرار احتراف الكتابة، بمقدمات الكتابة الاحترافية، ومررت بأغلب مراحلها، ولذلك؛ تكوّنت عندي قناعة بأن اتباع هذه الطريقة تنتج كاتباً محترفاً بمرور الزمن.
طريقة تعلم الكتابة الاحترافية، هي عبارة عن دورة تدريبية، لها خمس مقدمات أساسية وخمسة محاور عمل، يكمل بعضها الآخر، وإذا لم تتوافر في الكاتب المتدرب هذه المقدمات أو يتغافل عن أي واحد من المحاور، فالأفضل له أن لا يتعب نفسه في المحاولة، لأنه لن ينجح إطلاقاً، حتى لو تدرب سنين طويلة.
المقدمات الخمس هي:
1- الموهبة الذاتية في الكتابة، إذ لاتنفع عشرات الدورات، بدون تمتع المتدرب بموهبة الكتابة.
2- الجدية والهدفية، أي اتخاذ تعلم الكتابة أمراً مصيرياً وحياتياً، وهدفاً نحو الاحتراف، وليس للتسلية وملء الفراغ.
3- التفرغ لمدة ١٠ ساعات يومياً، حداً أدنى، للتعلم والتدريب، حسب الجدول الزمني المطلوب.
4- اختيار كاتب محترف، يكون المتدرب معجباً بسيرته وكتاباته بالأساس، ليتواصل معه تواصلاً مباشراً، ويتخذه أستاذاً مرشداً ومشرفاً، ويلتزم بتعليماته وتوجيهاته ونصائحه، ويعرض كتاباته عليه، وكذلك يطالع المتدرب كتابات هذا الأستاذ، ويكتب ملاحظاته حولها، بوصفها نموذج الكتابة الذي يطمح المتعلم أن يصل اليه.
5- الدراسة الأكاديمية، فالحد الأدنى هو أن يكون الكاتب المتدرب قد أنهى الدراسة الجامعية (البكالوريوس)، ويفضّل أن يكون خريج الكليات الإنسانية والاجتماعية، كالإعلام والعلوم السياسية والاجتماع والانثروبولوجيا والقانون والشريعة والعلوم الإسلامية والادارة والاقتصاد والأدب واللغات وما شابه.
وتشتمل الدورة المكثفة المركزة الاحترافية، على خمسة محاور أساسية متزامنة، أي أن كل محور يتكامل مع المحور الآخر، ولاينقطع أي منها على مدار السنة. ويسبقها التوكل على الله والاستعانة به:
1- تعلم اللغة العربية الفصحى، بصورة احترافية عملية، قراءةً وكتابةً وإلقاءً، لأن اللغة هي منظومة ثقافية إنسانية اجتماعية، تشكل أساساً للكتابة، ويكون تعلمها عبر اتخاذ أستاذ خاص ودورات، وقراءة كتب النحو والصرف والبلاغة والاملاء والشعر والأدب، وحفظ آيات من القرآن ونصوص من نهج البلاغة، ونصوص أدبية متنوعة وشعر وأمثال، والتدرب على ذلك في البيت بصوت عال، ولاسيما الإملاء والنحو وضبط الحركات وعلامات الترقيم والشعر. وعدم الكتابة على وسائل التواصل باللهجة العامية إطلاقاً، حتى في المحادثات الشخصية، لكي يتحول التعلم والتدريب الى ملكة لغوية وخزين لغوي. (حصة اللغة العربية وفروعها ساعة واحدة في اليوم).
2- المطالعة الهادفة المتوازنة، وعدم التركيز في هذه المرحلة على مجال دون آخر، لكي يحصل المتدرب على كم نوعي كبير من المعلومات والمفاهيم والمصطلحات في كل المجالات، أي أنه يعمل على تكوين نفسه ثقافياً، فالكاتب إذا لم يكن مكوناً تكويناً ثقافياً رصيناً، سيكون كاتباً سطحياً إنشائياً. وتتركز المطالعة في هذه المرحلة على كتب تعلم الكتابة والبحوث، والروايات غير المترجمة، والمعلومات العامة والموسوعات ودوائر المعارف، وكذلك الكتب المنهجية في علوم السياسة والدين والاجتماع والتاريخ. وخلال المطالعة يمسك المتدرب بقلم رصاص ويضع خطوط تحت العبارات التي تعجبه أو تثير انتباهه، ويكتب ملاحظات وتعليقات في هامش الصفحات، ويكون لديه دفتر كبير، يكتب فيه ملخص كل كتاب، وكذا ملاحظات وأفكار تستجد لديه (حصة المطالعة وتدوين الملخصات والملاحظات ثلاثة ساعات في اليوم).
3- الدخول في دورات تعلم الصحافة والكتابة، وخاصة الدورات المكثفة، بدءاً من دورات المبتدئين وحتى المحترفين، بما مجموعه تسعة أشهر في السنة، فهناك دورة تستمر عشرة أيام وهناك دورة تستمر ثلاثة أشهر وهكذا. وفي الأيام التي لا تكون فيها دورات، تضاف ساعاتها الى حصة المطالعة وحصة التدريب التطوعي (حصة الدورات ساعتين في اليوم).
4- التطوع للعمل مجاناً في جريدة أو مؤسسة صحافية أو مركز أبحاث، من أجل التدرب عملياً، وصقل الموهبة، وتحويل المطالعة الى واقع تطبيقي. وفائدة التطوع المجاني هو أنك ستختار مجال التعلم والتدريب، ولن تفرض عليك المؤسسة المجال الذي يجب أن تعمل فيه، فيما لو كان المتعلم يعمل بأجر (حصة العمل التطوعي ثلاث ساعات في اليوم).
5- الكتابة بجدية وتركيز، ليس للنشر بالضرورة، بل يكتب المتدرب لنفسه غالباً، ويقرأه بصوت عال، وينقحه، ثم يحتفظ به. كما يقوم بقراءة كل مقال أو نص بعد مرور ثلاثة أشهر على كتابته له، ليقارن مستوى تقدمه في الكتابة، على مستوى اللغة والمعلومات ودقة التحليل. والأفضل أن لاتكون الكتابات مطولة، بل تكون من صفحة واحدة الى ثلاث صفحات. وينبغي للمتدرب، عندما يكتب، أن يُلزم نفسه بالتدقيق في المعلومة وفي التحليل، ويبتعد عن هدف الإثارة وخلق اللغط، لأن ذلك سيحوله الى كاتب رخيص لايوثق به وبكتاباته. وفي الوقت نفسه، ينبغي للمتدرب عرض كتاباته على أستاذه المشرف، ليقوّمها ويعطيه التوجيه والنصح (حصة الكتابة ساعة واحدة في اليوم).
إذا التزمت بهذا المنهج أيها الكاتب المستقبلي، ولم تتحول الى كاتب محترف بعد سنة واحدة؛ فعاتبني..

والله الموفق

عن الكاتب

د.علي المؤمن

اترك رد إلغاء الرد

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.