مقالات

كرسي رقم -1-

الكاتب علي علي


علي علي ||

لمتتبع التطورات السياسية في العراق، سواء أعن كثب؟ أم عن بعد! لايرى إلا العجيب، ولايلمس إلا الغريب، في مدى استقتال رؤوس الحكم على الكرسي رقم -1- في التسلسل الهرمي لرئاسة مجلس الوزراء، واستماتة أرباب الأحزاب وأصحاب القرار في الكتل السياسية، على نيل الكرسي ذاته، وحتى الأعضاء ليستفيدوا من سيدهم بعد أن يستوي على العرش رقم -1- واستئثارهم بالهيمنة عليه “كرسته وعمل” أو “فلاحه ملاجه” وطبعا ليس لـ (سواد عيون العراقيين) إذ ياليت عملهم لصالح البلاد، وفلاحتهم تخدم العباد، فالجميع يبكي على ليلاه، وليس على ليل العراق الذي بات مدلهما، وسفينته ضاع فيها المجذاف والملاح، وأُبعدت مرغمة عن مرسى الأمان والاستقرار، أما الحديث عن اللجوء إلى المعارضة في حال عدم تسنم مقاليد الحكم، فأظنه كلمة حق يراد بها باطل، ذاك أن الشعار الغالب والمرفوع لدى كتلنا وأحزابنا هو: “لو ألعب لو اخرب الملعب” ولاأراهم مقصرين في الـ “الخراب” قياما وقعودا وعلى جنوبهم.
هذا هو واقع الحال منذ عشرين عاما، وما من بارق أمل يلوح في الأفق لتغيير الحال، ولعلي أوفق في تشبيه هذا الواقع ببيت الدارمي الآتي:
يالتنشد على الحال الحاله هي
وبسبع صابونات غسلت اديه
نعم، فالذين في سدة الحكم منذ عام 2003 لاتحوي جعبتهم غير مايفيدهم ويصب في مصالحهم، وليس لك أيها المسكين المواطن من شيء، ولاحتى فتات عيش هنيء تحلم به من لدنهم، بعد أن اصطبغ إصبعك بنفسجا ليمثلوك، وينطقوا باسمك، وينادوا بحقوقك، فجازوك شر جزاء وخيبوا أملك، مثلهم في هذا مثل “صكر فويلح” الذي أنكر تعب سيده وتربيته فقال فيه:
صكر الأزامط بيه كطّع إديه
ينكل حيايه الجول ويذب عليه
أعود بحديثي إلى مجلس رئاسة الوزراء، حيث يطلق عليه الآن بحلته الحالية عبارة (منتهية ولايته) وفق مانصت عليه مواد الدستور، وبالتالي أضحى تحت بند (حكومة تصريف أعمال) ومعلوم قانونا، أن صلاحيات المجلس وفق هذا تتقلص حسب الأصول، والوقت في وضع كهذا لايخدم المواطن، إذ تأخير تشكيل حكومة، يعيق إمكانية إصدار قرارات تعين المواطن وتنتشله وتحسن أوضاعه، لاسيما بعد أن طفح به الكيل، ولم يعد حاله يحتمل أية نكسة، فالذي فيه يكفيه، وأصغر قشة باتت تقصم ظهره، وسينطبق عليه المثل حينذاك: “جمّل الغركان غطه” جملة وتفصيلا.
أعود إلى العجيب المرئي والغريب الملموس، لدى أرباب الحكم في العراق، فهم لايتوانون عن إتيان السيئ والطالح من دون وازع، خدمة لمآربهم الشخصية والفئوية، أو تلبية لطلبات -بل أوامر- تصدرها جهات داخلية أو إقليمية أو دولية، والأدلة والشواهد على هذا كثيرة، فأرض العراق وماؤه وسماؤه ومستقبله -فضلا عن ماضيه وحاضره- باعوها جملة، وثمنها طبعا قبضه المنتفعون بعد أن امتثلوا لشعار: “إنا انزلناه في صفحة الجيب”.
ولما كانت الحلول محط بحث كل من يمر بمشكلة، فإن مشكلة تأخير تشكيل الحكومة، لها من باحثي الحلول كثيرون، لعل آخر حل لها هو انتقاء شخصيات مستقلة، تتولى رئاسة مجلس الوزراء، كذلك تكوّن الثقل الأكبر من أعضائه، وهنا تسكن العبرات وتتبدد الحلول وتتلاشى الآمال، إذ أن مفردة “مستقل” لم تعد تذكرها قواميس مؤسسات عراقنا الجديد، وأمسى المستقلون نادرين، ندرة بيض النوق، وباتت هذه المفردة نسيا منسيا، وحلت محلها مفردات الانتماء والانقياد والتبعية والحزبية والفئوية، وقبل هذا وذاك الفائدة الشخصية، وغيرها من المصطلحات التي أفرزتها العمالة والخيانة وحب الذات، وكما أنشد أبو فراس الحمداني:
“… إذا مت ظمآنا فلا نزل القطر”.
ــــــــــ

عن الكاتب

علي علي

اترك رد إلغاء الرد

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.