دين وحياة

لماذا يواجَه المجدد الديني بالرفض؟


د.علي المؤمن ||

غالباً ما يتعرض المجدد أو المصلح الديني للرفض، بسبب خروجه على القوالب المألوفة، التي تعدّها الأغلبية الدينية القوّامة، صمامات أمان ديني اجتماعي، وثوابت موروثة تعبر عن الإجماع المنظور. وقد يذهب جزء من تلك الأغلبية بعيداً، الى اعتبار هذا الخروج خروجٌ على ثوابت الدين وليس مجرد خروج على ثوابت الموروث.
ولعل من المنطق والشرع، أن نكون – ابتداءً – حسني الظن بالمجدد والمصلح، إذا لم يكن مرتبطاً بأجندة مخاصِمة، وكانت أهدافه سليمة، وكان متخصصاً. أما إذا لم يكن متخصصاً في المجال الذي يعمل على التجديد والاصلاح فيه؛ وجب توجيهه من أهل الاختصاص، ليقولوا له، بالتي هي أحسن: “هذا ليس اختصاصك، وسيكون مآل تجديدك وإصلاحك انحرافاً، وإن كانت نواياك حسنة وأهدافك خيرة”.
أما المجدد والمصلح المتخصص العادل؛ فهو الآخر، ليس بالضرورة دائماً أن يكون منهجه ونتاجه صحيحاً وسليماً، لأن عمل المجدد المتخصص إبداعي واجتهادي، فهو يجدد في الأدوات والاستنطاقات والقراءات والاستنباطات، وهنا قد يصيب وقد يخطئ. وبكلمة أخرى، قد يكون خروج المجدد والمصلح المتخصص على القوالب المألوفة والمتغيرات الدينية الموروثة، صحيحاً وضرورياً حيناً، أو صحيحاً وغير ضروري أخر، أو غير صحيح ثالثاً. وربما نجد حيناً رابعاً، أن المجدد المختص العادل، يفتقد الى الوعي بالمصلحة العامة حيال جزئية معينة، فيكون خطابه ونتاجه وبالاً على المجتمع وسبباً في افتتانه وتخندقه. والأمثلة على ذلك كثيرة جداً.
في المحصلة؛ ينبغي التعامل مع نتاجات التجديد والاصلاح ومظاهرها كجزئيات مستقلة عن بعضها، وإن كانت صادرة من شخص واحد، فلا نرفضها كلها ولانقبلها كلها، سواء كنا نؤمن بهذا الشخص ونتبعه، أو كنا نخاصمه ولانؤمن به، لأن الرفض والقبول المطلقين والمنفعلين، لايمثلان وعياً، وإن صدرا من شخص واع، بل هما تعبيران عن التعصب والجهل، فليس بالضرورة أن تكون كل انفعالات الشخص الواعي واعية.
ولعل أخطر حالات الانفعال والتطرف تجاه دعاوى التجديد والاصلاح، هو التهويل والمبالغة في تقويمها وتقويم أصحابها دينياً، إذ تتباين الأحكام التي يصدرها المنفعلون، بين التكفير والارتداد والضلال، وبين التنزيه المطلق والعصمة والصنمية، وهما وجهان لعملة التطرف، المتعارض مع العلم والعدالة والتبيّن.
شخصياً، أؤمن بالمنهج المحافظ التخصصي في قضايا التجديد والاصلاح في البنى والأنساق الفكرية والاجتماعية الدينية، وأعتقد أنه المنهج المتوازن الوسطي الصحيح، ولا أرى أن المنهج التغييري الانقلابي، أو منهج الصدمة والصعقة، صالحاً ومنتجاً، فهذا المنهج المتطرف، الذي يسلك – غالباً- وسائل وأساليب انتقائية وارتجالية ودعائية؛ يعود بالضرر الكبير على المنظومة الفكرية والاجتماعية الدينية، ويخلق أسوء مظاهر الانفلات الفكري، والفتن الاجتماعية الدينية، دون أن يحقق نتاجاً وبناءً صالحاً للتجديد المطلوب، وضرره لايقل خطورة عن ضرر المنهج الخشبي التخديري الظلامي، الذي يعيش خارج العصر ومتطلباته، ولايستشرف المستقبل واستدعاءاته، ويغطي على السلبيات والمخاطر، عبر أساليب الجمود والانكماش والانعزال، وهو المنهج المتطرف الذي يقابل المنهج الانقلابي.
ــــــــ

عن الكاتب

د.علي المؤمن

اترك رد إلغاء الرد

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.