مقالات

جيل بلا مثل اعلى… !

الكاتب نور الجبوري


نور الجبوري ||

في بداية حياة كل شخص منا لديه مثل اعلى يتخذه ليحاول تقليده بتصرفاته , بأخلاقه , بطبيعة حياته وأيضا بعلمه وحتى بعمله , ويبدأ هذا المثل من داخل الاسرة نفسها , فتجد من يكون مثله الأعلى والده لأنه يجد فيه التضحية والحب وقوة الشخصية وأيضا الاحترام بين الناس , والبعض يتخذ من والدته مثلا اعلى يكمل حياته بمحاولة ان يكون شبيهها , لأنه وجد فيها الحنان والتضحية والتحمل خاصة ونحن نعيش في بلد مثل العراق , عانت فيه امهاتنا ما عانت وعايشت اقسى الظروف ومع ذلك لم يستسلمن !
وفيما بعد ممكن وعلى سبيل المثال ,الاعلامي المبتدأ يتخذ إعلامي اخر مثلا اعلى له ,ولكن يجب ان يمتلك من المواصفات مالا يمتلكها غيره من الموجودين في هذه المجال , مثلا يجب ان يكون ذو اخلاق عالية ومحاور جيد , بالإضافة الى امتلاكه درجة من العلم والمعلومات العامة التي تساعده في تقويم عمله .
وأيضا ممكن للسياسي المبتدأ ان يتخذ سياسي مخضرم او شخصية تاريخية مثلا اعلى له , ليحاول ان يكون سياسي ناجح ويمتلك صفات تؤهله لكي يشغل مناصب عليا وكذلك سيادية .
والشاعر كذلك يمكن ان يتخذ من الشعراء القدامى الذين يذكرهم التاريخ مُثلا عليا له لينمي موهبته ويصقلها , ويكون في مصاف الشعراء الأوائل .
وكذلك تجد الكثير من النساء تجعل سيدتنا الزهراء مثلا اعلى لها بالدين والاحترام وطاعة الزوج وتربية الأبناء وكل الصفات الحسنة التي كانت تتصف فيها سيدة نساء العالمين (ع).
اما ما ظهر لنا في الآونة الأخيرة فهو امر خطير جدا , وينذر بكارثة أخلاقية واجتماعية ودينية تستهدف الجيل القادم وخاصة المراهقين .
فمثلا انتشار (الفاشينستات ) بشكل كبير في وسائل التواصل الاجتماعي وعلى شاشات التلفاز وافتخارها بقيامها بعشرات العمليات التجميلية , هذا كله دفع الكثير من الفتيات بالقيام بتلك العمليات بهدف التقليد ( الاعمى ) واحيانا تلك العمليات أدت الى الكثير من حالات الوفاة .
وكذلك ظهور شخصيات عجيبة بتصرفاتها واخلاقها وطريقة معيشتها ,جعل الكثير من الشباب تحاول ان تقلد هؤلاء المشهورين أمثال سعدون الساعدي ونزار الفارس وعلي الشريفي الذي يظهر كل يوم بثوب مختلف والكثير منهم .
ان المحتوى بشكل عام وبسيط يعني المادة التي ممكن ان يستفاد منها عدد من الناس في تخصص معين , ولكن ما يدعو الى الحيرة ان هذا النوع اصبح ينتشر بشكل سريع في المجتمع العراقي وبمحتوى تافه لا فائدة منه!
هل من المعقول ان محتوى نزار الفارس ممكن ان يستفاد منه احد ؟
او ما يقوم به سعدون الساعدي فيه فائدة للمجتمع ؟
او ما يحاول ان يفعله علي الشريفي هل يفيد الدين او التشيع ؟
من المعروف للجميع التدخلات الخارجية في العراق ومحاولة تسفيه المجتمع وابعاده عن جذوره الاصيلة , من خلال الدخول الى المنازل عن طريق هذه الشخصيات والبرامج ومحاولة جعل كل المساوئ التي يقومون بفعلها جعلها امر طبيعي , بل واصبح الذي لا يقلدهم او لا يقبل بهذه التصرفات يعتبروه من الفئة المعقدة التي لا تحب الحياة !
بعيدا عن نظرية المؤامرة الا ان اغلب دول العالم الثالث بدأت باستغلال الهيجان الذي يعرفه العالم الرقمي بالمحتوى التافه , وفي ظل رغبة البعض في استمرار هذه الظاهرة لأنها تحجب اخطار الوعي بالحقوق والواجبات ,فيتحول الحس النقدي الذي ينتج عن متابعة لمواد هادفة او حتى ترفيهية راقية , الى حس فضائحي ونوعا ما رخيص من طرف سكان (الفيس بوك ) و (اليوتيوب ) و (التيك توك ).
والكارثة الحقيقية في عدد الذين يحاولون تقليد ما تقوم به هذه الفئة , فعندما تدخل الى حساباتهم الشخصية في وسائل التواصل تجد مئات الالاف من المتابعين ,ويصل العدد في بعض الصفحات الى الملايين من المراهقين والنساء والأطفال , وبلا رقابة من الاهل في مجتمع اصبح يفتقر الى انتشار أصحاب المحتوى الهادف ,الذين هم موجودون في الاصل لكن القليل من يتابعهم او يهتم بما ينشروا .

عن الكاتب

نور الجبوري

اترك رد إلغاء الرد

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.