مقالات

مفاوضات تشكيل الحكومة والعقد التراكمية المتجددة


د.عبد الحسن الجبرةالله ||

تتصاعد الدعوات من كل حدب وصوب للإسراع في تشكيل الحكومة؛ وتتجه أنظار الجميع صوب سفينة الإطار التنسيقي الراسية في ميناء التوافقية وتوازن التمثيل السياسي المكوناتي ظاهريا”؛ ومراعاة معادلة العددية الرقمية للكتل البرلمانية السياسية ( الإطار _ تحالف عزم _ تقدم _ البارتي _ اليكتي _ كتل جديدة _ مستقلون كما يدعون) داخليا”؛ وتجابه عملية تشكيل الحكومة مختبريا” تحديات كثيرة وخطيرة منها ذات مؤثر خارجي وداخلي يتعلق بالمكاسب الشخصية والحزبية لرؤساء الكتل السياسية بغية تعزيز التواجد داخل دائرة القرار السياسي المؤثر وزعامة المكون لأطول مدة من الزمن؛ واذ ماتفهمنا شروط الكورد وزعماء السنة الواضحة والمتكررة في كل مسار تفاوضي منذ عام ٢٠٠٦ ولحد اليوم؛ والتي ترتكز على مبادئ أساسية تتمثل في المشاركة والتوافق والتوازن في إدارة الدولة مع إضافة بهارات على الطبخة لدغدغة مشاعر الشارع الكوردي والسني مثل (العفو العام – المغيبيين – تعديل أو إلغاء قوانين المسائلة والعدالة – توازن في التعيينات وماشابها ذلك) وشروط الأكراد التي سيرتفع سقفها عاليا” هذه المرة قياسا” بالسابق؛ فالساسة الكورد سيوظفون بأقصى حد خبراتهم السياسية المتراكمة وحنكتهم التفاوضية لزيادة الضغط على الإطار ومحاولة حصره في زاوية حرجة ومحرجة؛ إذ ان المعطيات على الساحة التفاوضية تؤشر ان الإطار سياسيا” في أضعف مايكون عليه اليوم رغم كثافته العددية؛ لكنه يفتقد لوحدة الانسجام والتناغم بين زعمائه و مكوناته سياسيا” وشخصيا”؛ وبالتالي سيركز خصومه من السنة والكورد على الضرب أسفل الحزام والمناطق الرخوة لمحاولة تركيعه واجباره على الرضوخ لمطاليبهم ذات السقف العالي؛ وأوراق ضغط الكورد والسنة على الإطار ستكون اللاعب الأكبر في المسار التفاوضي المعقد وأهمها وضع الإطار بين خيارين أما القبول بالحد المتوسط من سقف المطاليب او التهديد بالانسحاب من البرلمان واسقاطه واعادة الانتخابات؛ سيما وأن الإطار أعلن اكثر من مرة رفضه وتحفظه على مشروع إعادة الانتخابات؛ ناهيك عن عقد وعصي أخرى ستوضع في حركة دولاب الإطار قرارات المحكمة الاتحادية المتعلقة بعدم دستورية تصدير النفط من قبل حكومة إقليم كردستان و زيادة نسبة الاقليم من الموازنة ورواتب البيشمركة وضمان الامتيازات المالية والأمنية والسياسية التي حصل عليها الاقليم من قبل حكومة الكاظمي؛ كل هذا يشكل عبء كبير وخطير على المستقبل السياسي لمكونات الإطار؛ ومن المحتمل ستكون مدعاة لتشظيه وتناثره في المنظور القريب
اما العقد والتعقيدات الشائكة التي تواجه الإطار على مستوى الساحة الشيعية السياسية و الشعبية؛ فتتمثل في الآتي :
١_توظيف الكورد وزعماء السنة حلفاء المشروع التركي _ الخليجي لتهييج الشارع الشيعي في الوسط والجنوب ضد مكونات الإطار للخروج في تظاهرات مشابه لتظاهرات ٢٠١٩ م والتي فقد الوسط الشيعي المئات من شبابه بسبب سياسة التحريض واشعال الفتن بين المتظاهرين البسطاء والقوات الأمنية ؛ تحت شعارات ظاهرها حق وباطنها باطل
٢_قوة ضغط التيار الصدري الشعبي الهائلة في الوسط الشيعي؛ سيشكل عنصر ضاغط ومقلق لزعامات الإطار؛ ولانبالغ بالقول سيولد ارباك كبير في مسار مفاوضات الإطار مع الكتل الكوردية والسنية؛ بعد أن مال التيار الصدري إلى الجنوح للمعارضة الشعبية على حساب المعارضة البرلمانية؛ ولانستبعد ان زعيم التيار سيتبع نفس النهج السياسي السابق بمنح الحكومة القادمة مهلة زمنية ثم يعمل للانقضاض عليها واسقاطها مما سينعكس ذلك سلبيا” على مكونات الإطار سياسيا” وشعبيا”؛ وجميع المعطيات والتحليلات السياسية الاستراتيجية تؤشر إلى قوة هذا الاحتمال؛ مع الاخذ بنظر الاعتبار ان الضاغطين من السنة والكورد هم بالأمس حلفاء التيار الصدري؛ مماسيعطي هذا الحراك مرونة عالية وقدرة فائقة في تحقيق الأهداف
٣- تحرك قوى تشرين سياسيا”وبرلمانيا”وشعبيا” سيسهم في تعقيد المشهد السياسي والمسار التفاوضي في تشكيل الحكومة من قبل الإطار ؛ فهذه القوى قد رفعت شعار المعارضة والمناوئة لسياسات الإطار مهما كان نوعها سلبيا” او ايجابيا” في سبيل ارضاء قواعده الجماهيرية الناقمة كليا” على قوى الإطار
٤- ستشكل مطالب القوى الاجتماعية والشعبية بتنوعها ( اطارية – لا اطارية – عشائرية – نخبوية – حوزوية – خريجين – كسبة وماشابه) ورقة ضعط أخرى وكبيرة على الإطار وضرورة تلبية مطاليبهم ومنها إيجاد فرص عمل وخفض سعر الدولار وتفعيل حزام وطريق الحرير والاتفاقية الصينية وإلغاء خط طريق الشام وتنفيذ قرار البرلمان بإخراج القوات الأجنبية ومحاكمة المتورطين باغتيال الشهداء القادة واعدام الاهاربيين من صدرت بحقهم أحكام الإعدام؛ واحداث توازن حقيقي في استخراج الثروات وتوزيعها وفق الحاجة والكثافة السكانية ومراعاة مشاريع المدن ذات العائدات النفطية ورفع نسب تلك العوائد؛ وتعيين كفاءاتها في المناصب العليا وفق معادلة التوازن المناطقي
٥- المؤثرات الخارجية وهذه عقدة أخرى ومهمة ومؤثرة في المشهد السياسي العراقي منذ عام ٢٠٠٣؛ وان تخلى الإيرانيون عن دورهم وتأثيرهم في مسار مفاوضات تشكيل الحكومة كما صرح بذلك زعيم التيار الصدري؛ فان الخيوط الإقليمية والدولية المتشابكة والمتقاطعة ستلقي بظلالها حتما” على مفاوضات تشكيل الحكومة ومنها التواجد التركي في شمال العراق والمساعي الرامية لتشكيل ناتو عربي والاستعدادات التركية والأمريكية للتدخل بشكل مباشر في سوريا وملف الصراع الصهيوني اللبناني وملف الحرب في اليمن والحرب الروسية الأوكرانية والملف النووي الإيراني والصراع الفلسطيني الصهيوني وعملية التطبيع مع الصهيونية؛ كل تلك القضايا لن تنفك ان تكون على طاولة تشكيل الحكومة
وبناء” على ماتقدم نجد ان الإطار في وضعه الظاهري اليوم يعيش ظروف معقدة وصعبة جدا”؛ ويتطلب من زعاماته – مع تحفظي الشديد على سياساتهم – خلق أعلى درجات التفاهم والانسجام وترك الخلافات ماوراء ظهورهم والتضحية بأعلى مايمكن؛ وإيجاد وخلق حالة من الاطمئنان لقواعدهم الجماهيرية الداعمة لهم وتحقيق جزء كبير من مطاليبهم المشروعة والعمل بكل مايمكن من جهد لإرضاء الشارع الصدري وطمأنته بتشكيل حكومة توافقية يرضى عنها نسبة كبيرة الشارع الشيعي سواء الإطاري او الصدري او الشارع التشريني الحقيقي ومجمل القوى الاجتماعية؛ وليكن صناعة رأي عام شيعي مساند لعملية تشكيل الحكومة قاعدة وارضية قوية للتفاوض مع بقية زعامات المكونات الأخرى؛ ويوفر أريحية كبيرة للمفاوض الإطاري مع الكتل الأخرى وبعكس ذلك؛ فلا يمكن التنبؤ بما ستؤول اليه الأوضاع؛ وقتنا الله والجميع شرور الفتن

عن الكاتب

د.عبدالحسن الجبرةالله

اترك رد إلغاء الرد

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.