ثقافية

البدائيون أو ما تبقى منهم هم المختلف الجميل..!

الكاتب إنتصار حميد


انتصار حميد ||

عندما تقرأ هذه المقولة لواحد من أهم مفكري الحضارة الغربية (كلود ليفي شتراوس) فإنك ستصاب بالدهشة أو قل الصدمة, ولكنها صدمة مؤقتة؛ فسرعان ما تكتشف أن الرجل في معرض مقارنة, وأنه يريد التخلص من مأزق تاريخي, إذ يرى بأن “الإسلام يمثل مشكلة تاريخية بالنسبة للحضارة الغربية, وأن نقاط الإلتقاء مع الحضارات الهندية البدائية أكثر بكثير من نقاط الإلتقاء مع تلك المشكلة”.
هذه المقولة عند تأمُلها سنجد أنها ليست مجانبة للمنطق, ولكن أي منطق؟ إنه المنطق الذي يحتفل بالعلم والتجربة معاً ولا شيء سوى ذلك, بخلاف من يريد أن يكون البناء على وفق خارطتين (عمودي وافقي), فإذ يتحتم على المرء أن يحيا حياة طبيعية, آخذاً بكل العلوم والتجارب والخبرات ليسخرها في خدمة أهدافه الدنيوية الكبرى والعيش الكريم, ينبغي ألا يهمل خبر السماء: بأن ثمة آخرة (ثواب وحساب وعقاب), وكل ذلك بحاجة إلى عمل دؤوب من صلاة وصوم وزكاة وأمر بالمعروف ونهي عن المنكر و…… الخ, ومن ثم لا بد من التوفيق بين الخطين خط الدنيا وخط الآخرة, بنحو متوازٍ وألا يغلب خطأ على آخر لضمان عدم وقوعه فريسة لأحدهما على حساب الآخر.
هنا نتحدث عن مرحلة القرن العشرين, أي المرحلة التي كان الإسلام ممثل بتاريخ حضاري عظيم, ومتجسداً في أمة لديها ما لديها من قيم وثوابت واضحة, أي عنما كانت الأنفة الإسلامية تُؤثر الموت على أن تُمس الرموز أو الثوابت الإسلامية, تُؤثره على أية فكرة ترى بأن ثمة دولة للصهاينة شيدت مجدها على جماجم العرب المسلمين, وعلى حساب كرامتهم وأعراضهم, بل تؤثر الموت على اسلوب عيشها وملذاتها إذا ما تطلب الأمر ذلك.
تلك الأنفة ذهبت أدراج الرياح بعد الانتصار المدوي الذي حققته الحضارة الغربية على مستوى النيل من القيم والثوابت الإسلامية, وعلى مستوى حرف المعتقدين بالنظرية الإسلامية من كونها نظرية قابلة للتطبيق, وأنها تمثل حلاً مثالياً لأية مشكلة مهما كان نوعها ومهما كانت عصية.
وفي الحقيقة فإننا اليوم لا نجد من يمثل تلك الأنفة وذلك الإباء, بل لا نجد من يمثل المعاني الإسلامية شديدة الوثاقة بدين محمد صلى الله عليه وآله وسلم سوى عند الجمهورية الإسلامية في إيران, وعليه فإن إسلام اليوم لايمثل مشكلة ولو صغيرة عند المؤسسات البحثية والسياسية الغربية, بل أضحت إيران هي المشكلة الأكبر.
إسلام إيران هو المشكلة, أما إسلام البلدان الأخرى (لاسيما بلدان شمال أفريقيا ومجلس التعاون العربي), فلا يمثل شيئاً أطلاقاً, وإنما يمثل مفهوم المختلف الجميل بكل تفاصيله.
من هنا نفهم هذا الكم المركز من النشاط الإعلامي والثقافي الذي يستبطن أشد أنواع الحقد على إيران, نفهم لماذا يُراد لكل مصائب الدنيا أن تعصب برأسها وحدها استثناءاً من بقاع الأرض, ونفهم أيضاً إنه إذا ذُكرت إيران استذكر الغرب هزائمه على مستوى التفكير الاستراتيجي.

عن الكاتب

إنتصار حميد

اترك رد إلغاء الرد

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.