مقالات

اختلالات النظام السياسي في العراق وامكانية بناء الدولة


ا.د. حسين الزيادي *||

*مركز تبيين للحوار والتنمية

منذ بداية التغيير في العراق عام 2003 والنظام السياسي يدور في حلقة مفرغة من الازمات والتعقيدات على المستويات كافة، الأمر الذي ولدّ مزيداً من الاضطرابات السياسية والاقتصادية وانعدام للسلم الاجتماعي والمدني، وتعدد الولاءات والقيم والمرجعيات الوطنية، واشتدت الاتهامات واساليب القذف والتشهير والتقسيط السياسي في ظل كثرة الصراعات والتناقضات، والتفكك السياسي والتحلل الاجتماعي، وأصبحت أجهزة الدولة مشلولة وضعيفة، وكادت الحرب الأهلية ان تقع في مرحلة ما لولا حنكة وحكمة المرجعية الدينية الرشيدة التي برهنت اكثر من مرة انها صمام الامان، وفي مرحلة اخرى كادت قوى الشر ان تبتلع البلد وأصبح العراق مُعرض للسقوط كدولة ، وبات قاب قوسين او ادنى من الانهيار التام واصبحت بغداد بين كفي عفريت، فكانت مرجعية النجف بالمرصاد، وتم دفع الشر القادم عبر الحدود من خلال فتوى مباركة سيدونها التاريخ بأسطر من ذهب، وفي مرحلة زمنية اخرى وصل البلد لحافة التقسيم وتم الاستفتاء في اقليم كوردستان على الانفصال الا ان العوامل الداخلية والخارجية حالت دون ذلك .
وجاء عام 2019 و ما اعقبه من احداث واحتجاجات واستقالات وانتخابات مبكرة ومازال البلد يآن من وقع الازمات التي تتوالد في ظل تردي واضح للخدمات وتراجع لمؤشرات التنمية بكل ابعادها، الامر الذي يستدعي وقفة جدية ومعالجة موضوعية واجراء إصلاحات كبرى في مختلف المجالات لإعمار البلد وتحسين حياة أبنائه، لكن نجاح الإصلاح يعتمد على النظام السياسي لكونه يشكل حالياً العقبة الاهم.
ان كل الظروف والمعوقات التي رافقت العملية السياسية القت بظلالها على الواقع الانتخابي من خلال عزوف الكثير من المواطنين عن المشاركة في الانتخابات الأخيرة، الامر الذي فتح الباب على مصرعيه امام بعض القوى والاحزاب والحركات ، كما انه ابعد بعض الاحزاب عن أخذ استحقاقها الانتخابي، الامر الذي يحتم علينا دراسة امكانية اجراء إصلاحات كبرى في مختلف المجالات .
ان لدراسة العوامل والأسباب أهمية كبيرة لفهم طبيعة الفشل الكبير في الواقع السياسي والاقتصادي، والعجز في الانتقال الدستوري لضمان التطور الديمقراطي والمشاركة السياسية، ونعتقد ان اسباب الفشل تكمن في افتقاد الأحزاب الحاكمة التي تبوأت السلطة للسياسات وللبرامج العلمية والخطط المستقبلية ذات الطابع المتجدد ، فضلاً عن اهمالها للعنصر الشبابي الذي يخلق تعادلاً في وجهات النظر المعبرة عن الشارع، ومن جهة اخرى غاب مبدأ التوزيع العادل للثروات، والابتعاد عن تطبيق معايير الكفاءة والمنافسة النزيهة في توزيع السلطة في شغل الوظائف العامة والخاصة، وكل هذا انعكس ذلك على الاشتراك في العملية الانتخابية بسبب اليأس والاحباط الذي اصاب الكثيرين ، الامر الذي فتح المجال على مصرعيه امام بعض الحركات لتقول قولها وبالتالي افرغت العملية الانتخابية من محتواها الحقيقي.
لاشك ان الصبغة الغالبة على الحياة السياسية في العراق بعد 2003 هي شمولية (دينية، مذهبية، قومية) تنافسية، وفي احيان كثيرة تكون اقرب الى الإقصائية، وهذه الصبغة حكمت النظام السياسي منذ بداية التغيير ، وبدلاً من بناء نظام ديمقراطي يضمن التداول السلمي للسلطة، ويحمي الحقوق، ويرسخ دولة المواطن، ظهر استبداد الأحزاب الدينية كواحد من أخطر أنواع الاستبداد السياسي والاقتصادي والاجتماعي في تاريخ العراق المعاصر، لذلك ظهر النظام الديمقراطي بصورة عرجاء لم تعهدها النظم الديمقراطية في العالم، بل هو اقرب لنظام هجين، ظاهره ديمقراطي وباطنه ديكتاتوري شمولي متزمت تجاهل مفهوم حيادية المؤسسات في الأنظمة الديمقراطية، حيث تكون الدولة محايدة بين جميع الطبقات، والأديان، والمذاهب، والأعراق، والقوميات، والثقافات، والعشائر، وعدم التدخل في شؤون الأحزاب السياسية، وضمان العدالة في المشاركة وفي الحق باختيار الاتجاهات السياسية والفكرية ضمن دولة مدنية ديمقراطية.
اننا نرى ان عملية بناء الدولة الفاعلة والرشيدة في العراق ينبغي ان تسير بشكل متوازي مع عملية تصحيح اختلالات وعقبات النظام السياسي واهمها معالجة الدستور الذي يضج بتناقضات وعجز كبير في معظم اجزاءه، وتلك المعالجات يجب ان تتجه الى مفصل النظام السياسي ، اما باستحداث نظام سياسي جديد يتفق عليه، يتجاوز اخفاقات النظام البرلماني الحالي، او تعديل النظام البرلماني الحالي وتقويمه وتصحيح ما اعوج من مساره وثبت عجزه خلال السنوات الماضية .
ونرى ان استحداث نظام سياسي امر محفوف بالمخاطر ، فضلاً عن صعوبته من الناحية العملية والفنية، لذلك فان عملية تصحيح الواقع البرلماني هو المشهد الاقرب للتحقيق، والبداية يجب ان تبدأ من معالجة الدستور بوصفه القائد للعملية السياسية والموجه لها وهو القانون الاعلى الذي يحدد القواعد الاساسية لشكل الدولة ونظام الحكم وشكل الحكومة وينظم السلطات العامة ، وينبغي الاعتراف ان من اهم العقبات التي تواجه العملية السياسية هو الدستور القائم حالياً الذي انتج نظاما سياسياً مشوهاً قائم على التقسيم الطائفي المحاصصاتي البغيض الذي يصعب الافلات منه، لذا يجب اجراء تعديلات جوهرية لكل الثغرات التي اختبرتها الممارسة السياسية مع تكيفات قانونية قادرة على مواكبة التحولات الاجتماعية والسياسية التي مر بها العراق بعد مايقارب العشرون عاماً ، وحسم العديد من المواد العالقة والقابلة للتأويل ومنها المادة 76 المتعلقة بتفسير الكتلة النيابية الأكثر عددا لجعلها منسجمة مع النظام الانتخابي الذي تم إقراره.
ان الإصلاح السياسي في العراق يتفرع ويأخذ اتجاهات متعددة منها الإصلاح الاجتماعي والإصلاح الاقتصادي والإصلاح السياسي، وان عملية الإصلاح تمر بمراحل مهمة وهي ( مرحلة الحوار من اجل إبداء وطرح البدائل الصحيحة ، ومرحلة الدخول في عملية تغيير الأنظمة السلبية ومنها النظام الانتخابي على سبيل المثال وتعديل الدستور، وعموماً يمكن ادراج النقاط الاتية بوصفها ركائز لعملية الاصلاح:
1- بما ان العامل الاقتصادي هو العامل الاهم والمؤثر على الساحة السياسية فضلا عن اهميته للمواطن ودوره الكبير في استتباب الامن، فانه من الضروري جداً اجراء تغيرات في الهيكلية الاقتصادية من شانها ان تقضي على البطالة وتسهم في ارتفاع المستوى الاقتصادي والمعيشي للمواطن، ونعني بالتغييرات الهيكلية هو تنشيط القطاع الخاص وعدم الاعتماد على الاقتصاد وحيد الجانب والاهتمام بالنشاطات الزراعية والصناعية التي من شأنها ان تقلل من حجم البطالة .
2 – الاعتماد على العناصر الشابة المؤهلة المعبرة إرادة الشعب ووعيه من خلال اختيار شخصيات يمكن ان تنهض فعليا بهذا البلد، فالشباب هم ركيزة التنمية والقادرين على محاكاة الشعب بأغلب فئاته ، والشباب هم اساس قوة الدولة فهم قوة انتاجية ودفاعية واقتصادية وثورية وهم اساس التغيير في المجتمع.وإن اهمية الشباب تزداد في مجتمعهم بازدياد حجمهم في المجتمع وتحصيلهم العلمي. فقد اوضحت الدراسات ان نسبة الشباب تصل الى 60% لعام 2020
3- لم يعد الشعب يثق في الانتخابات بوصفها آلية إصلاحية للنظام السياسي الذي بات يحتكر السلطة والاموال والامتيازات، بينما تعيش الأغلبية الشعبية على الكفاف، وقد انعكس هذا الشعور من خلال انخفاض المشاركة الانتخابية خلال الدورات الثلاث الاخيرة سواء البرلمانية ام انتخابات مجالس المحافظات ، لذا يجب تنضيج الوعي الانتخابي و الابتعاد عن التقوقع في دائرة انتخاب لمن يمثل القومية أو العشيرة ، أذا ما كنا نسعى لتحقيق دولة المواطنة الحقيقية التي يشترك فيها الجميع.
4- العامل الاهم الذي ينبغي الوقوف بوجهه هو الفساد المالي والاداري والذي يوازي خطره خطر الارهاب ان لم يكن اشد واقوى، وكيف لا يصاب المواطن باليأس والقنوط وهو يرى كبار الفاسدين يتحدثون زوراً وبهتاناً عن النزاهة والشفافية وقد ملأت جيوبهم من اموال الشعب بلا رادع او محاسب او رقيب، والذي يجب ادراكه ان الفساد السياسي هو المنبع الرئيس للفساد ويعرف الاخير على انه إساءة استخدام السلطة العامة لتحقيق منافع غير مشروعة ومصالح شخصية ومكاسب خفية.
5- الابتعاد عن الحلول الترقيعية في معالجة المشكلات السياسية والاقتصادية، هذه الحلول اثبتت عدم جدواها وانها عبارة عن قنابل موقوتة لها تأثيراته السلبية على الواقع السياسي والاقتصادي للبلد.
6- وجود ارادة حقيقية لعملية التغيير الفاعل والمؤدي الى اصلاح حقيقي وواقعي نلمس اثاره على ارض الواقع ويسهم في بناء ديمقراطية حقيقية، فالأشكال الكبير يكمن في غياب البيئة الديمقراطية لعدم ترسّخ الثقافة المشتركة وضعف الهوية الوطنية وهشاشة الاقتصاد (الريعي)، وما يتبع ذلك من ضعف البلد أمام التدخلات الخارجية.
7- تفعيل المشاركة السياسية الحقيقية للجميع وتحديدا النخب الواعية والمثقفة من أجل تحقيق الإصلاح المنشود.
8- احترام القانون وسيادته والسعي لتطبيقه الحقيقي فمن شروط تحقيق الإصلاح بكافة اشكاله هو احترام القانون والمؤسسات في الدولة.
9 – الاهتمام بمفاصل الوزارات والدوائر الخدمية وابعادها ما امكن ذلك عن المحاصصة الحزبية ليكون هدفها الرئيس تقديم الخدمات للمواطن.
10 – الإصلاح المجتمعي هو الركيزة الاساسية للإصلاح السياسي لذلك إذا ما اردنا ان ننهض بالنظام السياسي ونصلحه علينا اولا أن نؤسس لإصلاح بنية المجتمع المتضررة من ويلات الحروب والنزاعات ، فلا يختلف اثنان ان هناك تبعات وشوائب ترسبت في الشخصية العراقية عموماً جعلها رافضة لكل عناصر التغير ، لذلك فان وسائل الاعلام والجامعات عليها ان تأخذ دورها في هذا الاتجاه.
11- التوزيع العامل للثروة ، فقد اسهمت الطبقة التي حكمت العراق خلال العقدين الماضيين من الزمن في تكوين فوارق طبقية بين أقلية فاسدة تزداد ثراءً ونفوذاً وطغياناً وأكثرية هي ضحية الاقلية الفاسدة تعاني فقراً وبؤساً واستغلالاً وحرماناً، والاخيرة تشكل عامل عدم استقرار لأنها تطالب بتحقيق العدالة والحصول على حقوقها بطرق وآليات ربما تتعارض مع النظام والسلم المجتمعي ومن هنا بات من الضروري النظر بجدية للفئات المهمشة التي ازدادت فقراً وحرماناً.
12- يبقى العامل الاهم للإصلاح هو وجود ارادة حقيقية وواعية تتجه نحو هدف معين وهو اصلاح الواقع السياسي للبلد ، والإرادة هنا هي تصميم واعٍ على أداء فعل معين، ويستلزم هدفاً ووسائل لتحقيق هذا الهدف، وينبغي ان تكون وسائل مشروعة ضمن اطر قانونية معترف بها من قبل الجميع.

عن الكاتب

د.حسين الزيادي

الدكتور حسين الزيادي / مركز تبيين للحوار والتنمية

اترك رد إلغاء الرد

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.