دراسات و بحوث

رؤية نقدية للمبتنيات الفكرية لأصحاب الفلسفة الطبيعية…


الدكتور علي زناد كلش البيضاني ||

تستند الفلسفات الغربية على مبتنيات فكرية متعددة ، وهذه المبتنيات نابعة من إيمان وقناعة إيديولوجية تُشكّل المسار الأساس للمنظومة المُشكّلة لتلك الفلسفات ، ويحاول كل مذهب فلسفي تسويق أفكاره بنحو يُتيح للمُتلقي الإيمان به وفق تبريرات معينة ، ولنا في أصحاب الفلسفة الطبيعية الذين يعتقدون أن الإنسان ذرة لا قيمة له وتتحكم به قوانين الطبيعة ، بمعنى آخر انعدام المبدأ والمنتهى ( المصير ) ووقعهِ تحت سلسة من المؤثرات والمتأثرات الجارية وفق قانون ( الفعل ورد الفعل ) ومعنى ذلك أن لا إرادة ولا اختيار للإنسان في هذا الكون، لا شك إن هذه النظرة السكونية ( الاستاتيكية ) غير الخاضعة للمبتنيات الإيمانية قبل الفكرية أوقعت هذا المذهب في مطبات لا يمكن لأي لبيب أن ينهج منهجهم ويتبنى موقفهم من البُعد الوجودي للإنسان ورسالته الكونية ، فهم في منهجهم هذا يساوقون ويماثلون الإنسان والنبات والحيوان ويجعلونه في خط تماثلي واحد لا فرق ولا تميز بينهم ، ولنا أن نقول ما يأتي :
إن الظروف التكوينية المحيطة بالنبات داخلياً وخارجياً تمثل انعكاساً لذلك المحيط وظروف الحياة المرتبطة به ، وحالة الاستسلام والانقياد لدى النبات لهذه الظروف نجدها واضحة للعيان بسبب سكونيته ، لذلك نراه أسير الطبيعة ، لكن عندما نصل إلى دائرة الحيوان نجد أن الامر يختلف في إطار أوسع عما هو موجود في النبات ، فالاستسلام والانقياد الموجود في النبات لا يكون بهذه الصورة التامة في الحيوان فكثير منا يلاحظ رفض الحيوانات أسر الطبيعة لها بل لا تتحمل ولا تطيق العيش في المحيط الذي تكون ظروفه المناخية ليس بصالحه ، لذا تهاجر إلى مناطق بعيدة ربما مئات الكيلومترات لتُغيّر محيطها ولتصل إلى مبتغاها المناخي والبيئي الأمثل وفق مشيئتها وكما تراه هي لا كما تراه الطبيعة ، ومعنى ذلك أن الحيوانات تفلت من قبضة الطبيعة وحاكميتها المطلقة في النبات ، هذا على مستوى الكائن الحركي لكنه فاقد للعقل فما بالك بمن يمتلك الأثنين ( العقل والحركة ) ، فنجد دائرته أوسع وحركته أكبر وتأثيره أبلغ ، فهو قادر على العيش كيفما شاء ، بل باستطاعته أن يُغيّر ظروف الحياة لصالحه بمعنى آخر هو يعاكس ما تذهب إليه الفلسفة الطبيعية من خلال تطويعه للطبيعة لا تطويع الطبيعة له ، فنراه اليوم يُبدّل طقس الصحراء إلى جو ربيعي معتدل ويرسل (السحاب الصناعية الممطرة) برغم الجدب والجفاف والعكس بالعكس، وما مشروع (هارب) وظاهرة (الاحتباس الحراري) إلا دليل على ما ندعيه من قول .
لذا نخلص إلى قول وهن رؤية أصحاب الفلسفة الطبيعية في تماثل وتشابه النبات والحيوان والإنسان في إطار نسقي واحد ، إذ إن الأخير خلاف النبات والحيوان فإنّ باستطاعته أن يعترض ويغيّر ويصرخ ويصارع وهذه الخصائص تمنحه السمات المخصوصة بالشخصية الإنسانية ، ثم إن الافتراض الخاطئ بتحكم الطبيعة التام لا يمكن أن يصمد أمام التطور العلمي والتكنولوجي للإنسان وما يبديه اليوم من مسائل حكم الطبيعة لها وتطويعها لصالحه ، ولاحظنا التطور التصاعدي في الإفلات من قبضة الطبيعة عند الحيوان ثم الإنسان بمستويات مختلفة وهذا يشير إلى مستوى الاختلاف النوعي بين الإنسان والحيوان أولاً وعدم أسر الطبيعة لهما ثانياً ، لذا ما تتبناه الفلسفة الطبيعية يُعدّ تعسفاً فكرياً وتخطي للعقلانية الموضوعية المنظورة وجوداً وعياناً .
ــــــــ

عن الكاتب

د.علي زناد كلش البيضاني

اترك رد إلغاء الرد

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.