دين وحياة

العيد والنظرة القرآنية..


كوثر العزاوي ||

تسمية العيد: تطلق على كل يوم يجتمع فيه الناس لإحياء مناسبة ما، وأصل التسمية، “من العود” لأنه يعود ويتكرر كل عام، وقيل أيضا: معناه اليوم الذي يعود فيه الفرح و السرور.
امّا القرآن الكريم ونظرته إلى الاعياد التي يُعترف بها على أنها من أيام الله، وأنها من أبرز “مظاهر العبودية” حيث يجتمع فيها الناس على طاعة الله ومرضاته، لا كما درج عليه العرف الاجتماعي وفق التقاليد التي أكثر مواردها لاتنسجم مع ضوابط القران والشريعة، ولذا نجد أن القرآن عندما يذكر العيد يهتم ببيان موضع الخطأ في فهم الناس ليوم العيد فينبّه عليه ويصحّح الخطأ، والآية التالية توضح المطلوب بعد إلحاح قوم نبي الله عيسى”عليه السلام” وتشكيكهم بنبيّهم، فمن من جملة مطالبهم من النبيّ عيسى” عليه السلام” كما يوضّح قوله تعالى:
﴿قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ اللَّهُمَّ رَبَّنَا أَنْزِلْ عَلَيْنَا مَائِدَةً مِنَ السَّمَاءِ تَكُونُ لَنَا عِيدًا لِأَوَّلِنَا وَآخِرِنَا وَآيَةً مِنْكَ وَارْزُقْنَا وَأَنْتَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ ﴾المائدة ٧
﴿ قَالَ اللهُ إِنِّي مُنَزِّلُهَا عَلَيْكُمْ فَمَنْ يَكْفُرْ بَعْدُ مِنْكُمْ فَإِنِّي أُعَذِّبُهُ عَذَابًا لَا أُعَذِّبُهُ أَحَدًا مِنَ الْعَالَمِينَ ﴾ المائدة ٨.
نلاحظ هنا، كيف أن الله “سبحانه وتعالى” وَعَدَهم بالإستجابة، ولكن بشرط الإيمان وعدم الكفر والتكذيب! هذا لأن الله تعالى، يريد بيان الغرض من نزول الآيات والكتب السماوية، إنما هي لتربية الناس وتهذيبهم، وإثبات رسالات السماء لتكون دستوراً للناس يضمن لهم الاستقامة والسعادة في الدنيا والاخرة، وقد جاء ذكر مفردة العيد في الآية ﴿ تَكُونُ لَنَا عِيدًا..} وفيها دلالة واقعية كونها ذكرى معنوية تعود عليهم بالخير و البركة كلما تتجدد الذكرى في كل عام، لانها بالأصل حركة رسالية و آية من آيات الله عز وجل. وليس على نحو الترف واللهو والغفلة عن ذكر الله المنعم المفضل عليهم بالخيرات والمسرات!! ومما يؤسَف له أن الأعياد الإسلامية التي نصّت عليها الروايات قد تحولّت في مجتمعنا الاسلامي اليوم، من مناسبات روحانية وعبادية لتجّمع الناس بعضهم إلى بعض ولرصّ صفوفهم بهدف مواجهة مشاكل الامة الواحدة بروح الاخوة والإيثار والتعاون، نراها قد تحوّلت إلى مناسبات تطغى عليها مظاهر الزينة و التفاخر والأكل و الإسراف والترف واللهو والغفلة ومظاهر الاختلاط وفعل المنكرات خلافًا لفلسفة تشريع الأعياد التي جاءت على لسان إمام المتقين عليّ {عليه السلام} وهو القائل في عيد الفطر مثلا : “إِنَّمَا هُوَ عِيدٌ لِمَنْ قَبِلَ اللهُ صِيَامَهُ وَ شَكَرَ قِيَامَهُ، وَ كُلُّ يَوْمٍ لَا يُعْصَى اللَّهُ فِيهِ فَهُوَ عِيدٌ” .
فيما ذكرت الروايات بشأن عيد الأضحى أيضا والتي عُدَّ من الأيام الشريفة الفضيلة، وفيها الكثير من الأعمال المستحبة التي تقرّب إلى الله كبعض الصلوات والأدعية، واعمال عبادية أخرى، كالغسل وصلاة العيد وذبح الأضاحي، وزيارة الأئمة والاولياء وغير ذلك من المحطات العبادية التي لاشائبة معها، ولامانع من أن يبقى العيد يوم يتفرغ فيه المسلمون بإقامة الاحتفالات المستحبة ويتبادلون التهاني والتبريكات والتزاور وغالبا مايؤلَف بين المتخاصمين، ولعل أبلغ
مايؤكد مفهوم العيد هو ماجاء
في خطبة لسيد البلغاء”عليه السلام” وقد أوردها في يوم الجمعة بإعتباره يوم عيد قائلاً:
{أَلَا إِنَّ هَذَا الْيَوْمَ يَوْمٌ جَعَلَهُ اللهُ لَكُمْ‏ عِيداً، وَ هُوَ سَيِّدُ أَيَّامِكُمْ وَ أَفْضَلُ أَعْيَادِكُمْ، وَ قَدْ أَمَرَكُمُ اللهُ فِي كِتَابِهِ بِالسَّعْيِ فِيهِ إِلَى ذِكْرِهِ، فَلْتَعْظُمْ رَغْبَتُكُمْ فِيهِ وَ لْتَخْلُصْ نِيَّتُكُمْ فِيهِ، وَ أَكْثِرُوا فِيهِ التَّضَرُّعَ وَ الدُّعَاءَ وَ مَسْأَلَةَ الرَّحْمَةِ وَ الْغُفْرَانِ فَإِنَّ اللهَ”عَزَّ وَجَل” يَسْتَجِيبُ لِكُلِّ مَنْ دَعَاهُ وَ يُورِدُ النَّارَ مَنْ عَصَاهُ وَ كُلَّ مُسْتَكْبِرٍ عَنْ عِبَادَتِهِ، قال اللهُ عزوجل: ﴿ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ ﴾ وَ فِيهِ سَاعَةٌ مُبَارَكَةٌ لَا يَسْأَلُ اللهَ عَبْدٌ مُؤْمِنٌ فِيهَا شَيْئًا إِلَّا أَعْطَاهُ.
عيدكم مبارك وكل عام وانتم جميعا بخير وسلامة الدارين.

١٠-ذو الحجة١٤٤٣هج
١٠-٧-٢٠٢٢م
ـــــــــــ

عن الكاتب

كوثر العزاوي

اترك رد إلغاء الرد

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.