مقالات

منها نتعلم.. عن زينب…


إيفان العودة ||

كربلاء محطة العاشّقين، الذين يترنمون بكل ما يملكون في سبيل الوصول إلى أرضها، لها لذة خاصة في قلوب محبيها يرفقها دروسٌ وعِبر متنوعة كُلًا حسب وجوده وما قدره الله له، وتقديرات الله لطيفة من حيثُ نوعها وخصوصيتها.
كثيرًا ما يدور في عقولنا أسماء أهلِ بيت مُحمّد(ص) ولكل أسمًا منهم قصة كاملة ومدرسة عامرة بذكرِ جُرحها، إلا أنَّ الدرسّ الزينبيّ يبقىٰ له بصمة نوعية بحتة؛ الكثير يتسائل لماذا هذا التركيز على الدرسّ الزينبيّ؟
لو نظرتم جيدًا إلى مضمون الأسم سينكشف عن قلوبكم غبار عدم التفقه والمعرفة وتصلون حينها إلى مفهومية عميقة جدًا، لا يحصل ذلك بدون البصيرة القلبية واقعًا لا يحصل إذا كانت البصيرة معدومة، ثقافة الدرسّ الزينبيّ تكمن في القلب وعاشوراء كلها في القلب.
أقتضت الحكم الإلهية والرسائل السماويةّ، بأن يكون أسم السيدة زينب بنتُ علي بن أبي طالب(عليهم الصَلاة والسّلام) مثالًا وقدوةً في الصبرِ والثبات والعفة والقبول بقضاء الله وقدره في واقعة الطف الكُبرىٰ، كانت لها قيادة نوعية ليسَ لها نظير في ذلك الوقت؛ فهي بمفردها كانت درسًا في العفة وليسَ في ذلك فقط وإنما تجاوزت وعبرت إختبارات إلهيّة عظمى ونتيجتها أي تقديرها عند الله أعظم.
مُنذ صغرِ سِنها بدأت معها الإختبارات الإلهية وكانت أهلًا لها، إستشهاد أمها السيدة فاطمة الزهراء(عليها الصَلاة والسّلام) هو أختبار عظيم لها؛ فكانت صفاتها كأمها فاطمة حتى مرت بمراحل وإختبارات واحدةً تلو الأُخرىٰ وآخرها في عاشوراء.
لا يخفىٰ على الجميع ماذا حدث في حينها، لكن حاول الكثير من الأعداء مُنذ ذلكَ الوقت إلى يومنا هذا أن يُغيبوا الدور الرساليّ للسيدة زينب(عليها الصَلاة والسّلام)، وحاولوا حصر وجودها وتضييق مساحة دورها النوعي في البُكاءِ والنحيب والإنكسار فقط؛لكن أبىٰ الله ذلك أن يكون وشاءت الأقدار الإلهية أن يفشل ما أراده الأعداء؛ بل أزداد ذكر وإيصال فكرة وثقافة و دور جبل الصبر القيادي إلى شيء يبهر و يدهش العقول .
دور السيدة زينب(عليها الصَلاة والسّلام) نوعي هكذا أرادت الحكمة الإلهية كما ذكر في أعلاه، ولولا معرفة الله وراء ما يحصل للسيدة زينب(عليها الصَلاة والسّلام) في يوم عاشوراء لما جعلها بنتٌ لعلي وفاطمة وأختٌ للحسن والحُسين ولكافلها أبي الفضل العبّاس(عليهم الصَلاة والسّلام)، وجود مولاتنا زينب في يوم عاشوراء له ثقافة أمتدت إلى يومنا هذا وستستمر إلى أجيال قادمة؛رغم كل المشاهد والبلايا التي مرت بها ورأتها مُذ قدومها إلى كربلاء وخروجها منها جعلت منها جبلًا للصبرِ وعنوانًا للثباتِ وأسوةً حسنة أقتدت بها أُمهات الشّهداء.
العلاقة بين الإمام أبي الفضل العبّاس والسيدة زينب(عليهم الصَلاة والسّلام) علاقة حسّية قلبية صعب فهمها فهي علاقة نبض مرتبط بنبض وروح مُزجت بروح في أجساد متفرقة و ما يحصل لأحدهما يشعر به الآخر، قضية الأحساس بالكفالة والدور الذي أخذه أمامنا العباسّ له سر عميق يصعب إدراكه، نحنُ فهمنا جزء لكن ما خفي كان أعظم، هذهِ العلاقة الروحية بين أثنين من الأخوة لا يمكن أن تتكرر وحتى أذا تكررت لا تصل إلى نفس الأحساس بالروح والدور العظيم لهما.
أوصلت لنا السيدة زينب(عليها الصَلاة والسّلام) رسائل وبراهين لا تحتاج إلى أدلة وأثباتات فهي لوحدها أكبر دليل وأثبات على ذلك، رغم الأسر والسبي لم تفقد مولاتنا صبرها ولم تترك عباءتها وهنا مضمون الرسالة الزينبيّة العباءة العباءة؛ نعم لغة وثقافة ونوعية العباءة الزينبيّة لها طابع خاص ودرس في الحفاظ على العفة في زمنٌ كثُرت فيه المُغريات والفتن والأحداث المتتالية التي تُريد تضييع هذهِ الثقافة وتقييد النساء في ثقافات الغرب الفاشلة والمنحطة التي لا تتناغم وفكرة العباءة الزينبيّة.
رغم حرق الخيام والسبي عبر مُدن متعددة لم تترك مولاتنا زينب العباءة بل جعلتها سلاح تُقاوم به الأعداء، طرزت عباءتها بغيرة أخيها هنا جزء من مفهومية ثقافة الدرسّ الزينبيّ يجب أن تتغنم به كل أمرأة وتجعله هدف في حياتها حتى لا تفقد روحيتها وعفتها وأحساسها بهذهِ العباءة، يجب الحفاظ عليها وجعلها جزء لا يتجزأ من حياتها.
صبرت مولاتنا زينب على الأذىٰ والبلايا وكل شيء حدث معها، أدخلت مولاتنا السرور على قلب أخوتها في كل خطوة سارت وهي متيقنة برحمة الله وصابرة على ماحدث معها في عاشوراء، أبي الفضل العبّاس كان يعلم ماذا ستفعل أخته من بعده ومتيقن بأنها ستكون كافلة للأيتام والنساء كما كفلها هو روحي فداه، رؤيتها لرؤوس أخوتها على الرماح لم يثني عزيمتها وقوتها بل سارت وهي تحكي معهم بقلبها وروحها.
دخولها لمجلس أبن زياد الملعون درس عظيم في الثبات على الموقف والكلمة فهي بنت علي قالع باب خيبر لا تأبه لما أمامها ومن يكن هو مقابل عقيلة بني هاشم، هي أمرأة لكن وجودها في مجلس أبن زياد اللعين كان بهيئة أبيها علي، الحديث الذي دار في ذلك المجلس تحول إلى دروس أعطتها مولاتنا لأبن زياد ومن كان متواجد معه دروسٌ في الإنسانية والرجولة التي فقدوها أو لم تكن لديهم رجولة بالأساس.
الجملة التي قالها اللعين وهو في حالة خوف ورعب داخلي كيف رأيتِ صُنع الله فيكم، أردفته قائلة بكلمات مليئة بالحكمة مداها يصل إلى السّماء(ما رأيتُ إلا جميلًا) هكذا هي زينب بنتُ علي لوحدها درس عاشورائي يحتذى به في كل زمن، هكذا هم أهل بيت النبوة ومعدن الرسالة يرون كل المصائب جميلة.
تناقلت اللحظات والساعات والأيام والأشهر والسنين جينات أهل البيت(عليهم الصَلاة والسّلام) وبالخصوص جينات مولاتنا زينب من العفة والصبر والثبات ونوعية القوة والإيمان وكل ما مرت به جيلًا بعد جيل حتى أستدامت ميزة عظيمة في قلوبِ عاشقيها.
ـــــــــــ

عن الكاتب

ايفان العودة

اترك رد إلغاء الرد

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.