دراسات و بحوث

القوة الذاتية لدى شيعة العراق وقدرتهم على تحقيق الدولة الممهِّدة


محمّد صادق الهاشميّ ||

م.مركز العراق للدراسات

البحث هنا في المفهوم وليس في المصاديق الحالية،وهنا نتحدث عن عناصر القوة مع قطع النظر عن الواقع الخارجي والفعلي الذي يتمثّل بتجربة الحكم الشيعية الحالية؛لأنّ مفهوم التشيّع السياسي أوسع من تجربة السياسيّين الحاليّين،فالبحث بواقعيته يهدف الى تعريف الأجيال بقدراتها وخصائصها حتى تعرف أنّ حجم الأمل أوسع من حجم الألم،وحتى يدركوا أنّ الإسلام السياسي بواقعه لا من خلال التجربة الحالية،وأيضاً لا بدّ أن تُدرك الأجيال أنّها تمتلك كلّ المقومات التي تجعلها مؤهلة لإقامة الدولة الممهّدة مهما كانت التحديات، وفي هذا الصدد نشير الى نقاط محددة في عناصر قوة الشيعة وقدرتهم على إقامة الدولة
• نظرية القوة الذاتية:
توجد نظرية لدى الشيعة مفادها:إن كان المجتمع السُّني وجد قدرته وقوته في (السلطة والحكم)،فإنّ هذه القدرة تزول بلا إشكال بزوال السلطة والحكم والكرسي،ونجد خلاف ذلك لدى الشيعة؛ فإنّ قوتهم تكمن في وجودهم؛أي موجودة خارج دائرة السلطة ومن خلال عناصر (القوة الذاتية) المتمثّلة بما يأتي بيانه:
١- تعداد نفوس المكوّن الشيعي السكانية: فقد أكّدت كلّ المصادر والإحصاءات أنَّ نفوس الشيعة في العراق هي الأكثر عدداً؛ فإنّ الاستطلاع الذي أجرته الإدارة البريطانية للعراق عام 1919 م أكّد أنّ نسبة الشيعة 55% والإحصاء الذي أجرته الحكومة العراقية عام 1947م والذي نشره (حنّا بطاطو) أكّد أنَّ نسبة الشيعة 4/51%, مما يؤكّد أنّ عدد الشيعة يمنحهم فرصة منطقية لإقامة الدولة كونهم المكون الأكثر والأكبر، وهذا أمر جعل الشيعة يشعرون تأريخياً وحاضراً بنحو خاصّ أنّهم هم الأحق بالسلطة؛نعم أنّ أحد عناصر (القوة الذاتية) لدى شيعة العراق التي دفعتهم للمطالبة بحقوقهم هو أنّهم الأكثر عدداً، وأنّهم يشكلون الأغلبية في العراق، وهذا ما اعترفت به كلّ الجهات وأيّدته الإحصاءات وثبت في بطون العديد من المؤلّفات.
٢- وجود المرجعية التي تعدُّ عنصراً مهمّاً في بثّ القدرة والقوة الذاتية،والميل لنيل الحقوق والعمل على توجيه الشيعة وحفظ حقوقهم والسير بهم نحو القوة والمكانة المستقلّة بعيداً عن الكرسي، فكم عانى الشيعة في العراق من البطش والتهميش والقتل على امتداد التأريخ، لكنّهم بقوا عنصراً مهمّاً، ومكوّناً من مكوّنات المجتمع، يتحدى الزوال والاندثار، ويحسب له ألف حساب عبر التأريخ السياسي العراقي، وفي هذا الصدد ينقل السيد حسن شبّر في كتابه الموسوم بـ ((التحرّك الإسلاميّ من عام 1900 ـ 1957)) قولاً مفاده : (… إنّ الأتراك وجدوا أنّ فتاوى العلماء السنة غير قادرةٍ على تحريك المسلمين ضدَّ الانكليز؛ لأنَّ كبير المفتين السُنّة في تركيا أصدر العديد من الفتاوى من دون أنْ تؤدي الى تحريك المجتمعات السنية، بينما فتاوى المراجع الشيعة حرّكت عشائر العراق الشيعية، وحتى السُنية والكردية عام 1914م لغاية عام 1918م وقد خاض الشيعة جهاداً طويلاً إثر هذه الفتاوى)
من هنا يتجلى لنا أنَّ سر قوّة المكوّن الشيعي ليس في السلطة،بل في (القوة الذاتية) التي لها ركائز عدة، إحداها وأهمّها المرجعية الدينية، وإنْ عانى دور المرجعية الضمور والخمول حيناً فإنَّ الأغلب في دورها كان عظيماً ومشرقاً، ولهذا الأمر جذرٌ عقائدي.
٣- وجود العتبات المقدّسة: بوصفها باعثاً على تجدد الحياة العقائدية سياسياً في توجه الشيعة نحو الاستقلال، ونيل الحقوق، وما يتبع ذلك من إحياء الشعائر، وأنّ الخطباء والمنابر وأئمة المساجد، ويوم عاشوراء، وزيارة الأربعين، كلّ تلك الشعائر لها دور بارز في تنمية الوعي الاستقلالي، فضلاً عن أنّها ممارسات روحية حرّكت المجتمع الشيعي نحو القوة والاقتدار ونيل الحقوق في العديد من المناسبات؛ لأنّها تستنهض الهمم من خلال الايحاء الروحي في ثورة الحسين (ع)، فعمقُ هذه المناسبات وهذه الشعائر يعدَّ من خصائص القوة والاقتدار الذاتي في الأمّة، وتعمل على تكوين ثقافة التحرر والثورة من خلال استلهام مبادئ ثورة الحسين (ع)، وخير دليل على ذلك انتفاضة صفر في السبعينيات التي بسببها زُجَّ المرجع الشهيد السيد محمد باقر الصدر(قده) في السجن، وهكذا شهيد المحراب السيد محمد باقر الحكيم(قده)، وانتفاضة شعبان في عام 1991م، وعليه، فإنّ لهذه الشعائر والمناسبات رمزيةً وقدرةً في بعث القوة والإرادة لدى المكوّن الشيعي، وشعوره بالسلطة النفسية، وسلطة الهوية، وسلطة المكوّن ذاتياً التي قلنا: إنّها سلطة خارج سلطة الكرسي، وإنّها سلطة ذاتية طالما غيرت المعادلات السياسية في العراق.
٤- وجود الشيعة على مساحة أرضية خصبة متصلة واسعة جداً جعلتهم يشعرون بنوع من القوة والاقتدار؛ إذ أنّهم يطلّون على منافذ بحرية، ويجاورون الجمهورية الإسلامية وغيرها من الدول، مما يجعلهم يتحكمون بمحرّكات سياسية واقتصادية وجيوبولتيكية وجيوسياسية مهمّة، وعوامل مهمة أخرى في المسيرة السياسية للدولة العراقية عبر التاريخ.
٥- وجود المنابع البترولية ـ النفط والغاز ـ في الجنوب الشيعي؛ إذ أنّ البصرة وحدها تحتوي على70% من نفط العراق، فضلاً عن باقي المحافظات، وأنّ العراق يحتوي على 78 حقلاً نفطياً 73% منها في الجنوب الشيعي.
٦- صمود الشيعة بوجه التحديات عبر التأريخ والى يومنا الحاضر،فمن يراجع تأريخ الشيعة في العراق منذ العهد الأُموي ثمّ العباسي وصولًا الي العهد البعثي الصليبي مرورا بالعهد البريطاني القومي البعثي يجد وبكلّ وضوح أنّ المكون الشيعي في العراق قد تحمّل ما تحمّل من القساوة والألم عبر التأريخ، ومع هذا بقي صامداً وثابتاً جيلًا بعد جيل، وآخر التحديات التي منحت الشيعة في العراق القوة والعزة والمَنَعة والصمود هي مرحلة الغزو الداعشي الصهيوني وبحمد الله وبفضل فتوى المرجعية الرشيدة ودماء الشهداء وتضحيات المجاهدين وغيرهم خرج الشيعة منتصرين على العدو، ومنتصرين بأنّهم تمكّنوا من إثبات وجودهم وتحصين أنفسم بقوة تأثير المرجعية الدينية والحوزة الشريفة والمواكب والمجالس الحسينية وزيارة الأربعين والجمهور العقائدي والحشد الشعبي، وغير ذلك من عناصر عديدة كوّنت لدى الشيعة الشعور بالاقتدار الذاتي ممّا يعني أنَّ ثقافة القوة والاقتدار ولدت بسبب طبيعي صحيح وخارج القوة والهيمنة العسكرية والسياسية التي مارستها الحكومات الظالمة،وهي قائمة بذات المكوّن الشيعي سواء حكم هذا المكوّن أو لا، وسواء أكانوا على رأس السلطة أم خارجها؛بل حينما تنهار السلطة تأتي العوامل الأخرى لتعزز مكانتها وتكون سنداً لها كما رأينا في انهيار العراق بسبب غزو الدواعش فإنّنا وجدنا أنّ المرجعية العليا واستجابة الأمة مع الفتوى أرجعَ الدولة والسلطة الى موقعها بعد أن كادت أن تنزلق الأمور الى بُرَكٍ من الدم .
وهذا الواقع ينتهى بنا الى قانون اجتماعي سياسي مفاده : أنّ قوة الشيعة ترتكز على القوة الذاتية وهي التي جعلت الشيعة عبر التأريخ قادرين على المقاومة والصمود بوجه كلّ محاولات التهميش والتذويب،ولهذا بقي المكوّن الشيعي متماسكاً عبر التأريخ مع كل المحن والقساوة السياسية والتهميش حتى فرضت الأحداث واقعها في أن يتمكن الشيعة من الحكم في العراق مع إعطاء المكونات الأخرى حقها،والسبب يرجع الى واقع فرض نفسه وهو أنّ الشيعة يمتلكون القدرات الذاتية على إقامة الدولة الممهّدة والمقومات الذاتية لنهضة وظهور الإمام و لتحقيق دولته الكريمة.
اللهُمّ إِنّا نَرغَبُ إِلَيْكَ في دَولَةٍ كَريمَة تُعِزُّ بِهَا الإسلامَ وَأَهلهُ، وَتُذِلُّ بِهَا النِّفاقَ وَأَهلَهُ، وَتَجعَلُنا فيها مِنَ الدُّعاةِ إِلى طاعَتِكَ، وَالْقادَةِ إِلى سَبيلِكَ، وَتَرْزُقُنا بِها كرامة الدُّنيا وَالآخِرَة.
ـــــــــ

عن الكاتب

محمد صادق الهاشمي

اترك رد إلغاء الرد

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.