تقارير

الدكتورانطوان بارا: هناك حبٌ تاريخي يربط المسيحيين بآل البيت

الكاتب سلمى الزيدي


متابعة ـ سلمى الزيدي ||

دعا الأديب الدكتور انطوان بارا إلى قراءة “حياة الإمام الحسين والسيد المسيح قراءةً تستلهم منهما كيفية تنمية الحب الإلهي في قلوبنا (…) فحياتهما عليهما السلام تعلّمنا كيف نحب الله بصدق وإخلاص”، وفي محاضرته التي ألقاها بمركز المعرفة الإسلامي “على هامش زيارته للبحرين لحضور افتتاح مسرحية قنّسرين” اعتبر بارا أن هناك “حباً وعشقاً تاريخياً من قبل المسيح لآل البيت وأسرة علي ابن أبي طالب، وهو حبٌ ممتدٌ ومستمر عبر الأجيال وإلى الآن”، ورأى أن رؤية الفكر المسيحي “وثورته هي ذاتها رؤية الفكر الإنساني لها وهذا دليل كاف على إنسانية هذه الثورة، وشخصية الحسين محيط واسع من المثل الأدبية والأخلاق النبوية وثورته فضاء واسع من المعطيات الأخلاقية والعقائدية، ولعل أهم سمة من سمات العظمة في هذه الشخصية قول جده رسول الله وسلم ( حسين مني وأنا من حسين ).
ورأى بارا أن السيد المسيح والإمام الحسين عليهما السلام كلاهما يشتركان بذات الهدف الرباني “إن الحسين شرّد وحوصر وأعطش وأهين وقتل وسبيت عياله وجرّد من ثيابه وسلبت حلله كذلك عيسى () اضطهد وأهين وضفر جبينه بالشوك وحوكم وطعن وبصق عليه وجرّد من ثيابه”وتابع بارا مستعرضاً امتزاج حركتي الحسين والمسيح عليهما السلام “نداء الحسين كان في خروجه من مكة (إني لم أخرج أشراً ولا بطراً ولا ظالماً ولا مفسداً إنما خرجت لطلب الإصلاح في أمة جدي)، وقتل الحسين كان نبوءات الرسل والأنبياء على مر العصور إذ توارثوا قضية قتله الدموية في كربلاء ذبيحاً عطشاناً ومداساً تحت حوافر الخيل، فالنبي عيسى (ع) نبّأ عن قتل الحسين ولعن قاتله عندما مرّ بأرض كربلاء وهو يصف أرض الطف بـ(( البقعة الكثيرة الخير ))
وقال بارا “إن الفداء والاستشهاد يشكلان ركنا مهما من أركان المسيحية، وقد عاش عيسى “ع” وتحرك وعلّم فاديا نفسه لشعبه، لذا فإن الاستشهاد له جوانبه الروحية، والمسيحي يقدس آل البيت وينظر إلى استشهاد الحسين””على أنه قمة التضحية والفداء، ويقارن بين أهداف كربلاء وأهداف عيسى فيجد وحدةً في الأهداف المبادئ”.
ورأى بارا أن “القدرة على الاستشهاد والاندفاع إليه لا يؤتى إلا للأنبياء والشهداء والمصطفون، وما دامت ثورة الحسين قامت من أجل الحق وإعلاء كلمة الله فإنها بهذا القياس تكون دفاعا عن الحق في الرسالات السماوية التي سبقتها، فلم لا يكون رافع لوائها في موقع التقديس.. ولم لا تكون سيرته العطرة باعثة على استلهام معاني الفداء لاسيما إذا كان الاستشهاد بهذا الشكل الذي شهدته بطاح كـــــربلاء والذي مـــازال صــــداه في المهج والحنايا والصــــدور”.
واعتبر أن علاقة المسيحيين بالحسين “هي علاقة نابعة من الإيمان المسيحي بعظمة من يقدم على الاستشهاد وفي سبيل العقيدة، وشهيد كالحسين يذكر كل مسيحي بنبيه عيسى”ع” لذا فان حبه واجب على كل مسيحي”.
وبعد فتح باب الأسئلة والمداخلات أجاب بارا حول سؤال وُجه إليه عن تجربة كتابه الحسين في الفكر المسيحي بالقول “بدأ بقراءة كتاب مقتل الحسين للمقرم وقد قرأته وكنت على اطلاع بسيط على قصة كربلاء، كنت بين الفينة والأخرى أضع هوامش كملاحظات، لم أكن أقصد تأليف كتاب، سوى ان أضع رؤاي كمسيحي يعيش في مجتمع عربي ومسلم، فكانت النظرة لكربلاء تختلف عن نظرة المستشرقين الذين دأبوا على النظر إليها أنها مناجزة عسكرية بين فئة قليلة مغلوبة على أمرها وبين فئة قوية كان يمثلها الحاكم آنذاك، وقد صورت على أنها معركة عسكرية كانت الغلبة فبيها للأقٌوى، وقد جرموا الحسين، تتبعاً للروايات التي كتبها بعض الحاقدين، إذ قالوا بأن هذا الخروج إفك لأن فئة خرجت على إمام زمانها”، وأضاف بارا “حينما أنهيت قراءة كتاب المقرم كانت الهوامش كثيرة، وعرضتها آنذاك على السيد محمد الشيرازي رحمه الله، فقال بأنها تصلح كتاباً، لأنها تمثل عرضاً مغايراً عما يكتبه بعض الكتاب المسلمين والمستشرقين والذين نظروا لكربلاء نظرة مادية وحللوها من الوجهة العسكرية بين القوة والضعف”.
وتابع شارحاً ” حين فكرت بالكتابة، شدني ذلك التشابه الكبير الذي لاحظته بين حياتي الحسين والمسيح عليهما السلام، وذلك جعلني أفكر أن أبني مقارنة أركز من خلالها على عنصر الشهادة، فلماذا يقدم شخص على قتل نفسه والاستشهاد لأجل مبدأ ما وترك كل مغريات الدنيا وقد كان بإمكانه أن يتجنب هذا المصير، لاسيما المصير الذي حاق بالحسين وكيف ضحى بأهل بيته وحرمه وأصحابه في قضية بدت خاسرة للآن والتو، لكنه كان ينظر كونها قضية مبدأ وعقيدة سوف يحاسب عليها أمام الله وجده المصطفى”.
أما عن سؤالٍ حول أبرز التشابه الذي وصل إليه بعد كتابة كتابه بين شخصيتي الحسين والمسيح عليهما السلام فقال “الفداء وحب الشهادة هما عنصران أسايين في العقيدة المسيحية، والمسيحي يرى في الحسين شبهاً كبيراً برسوله عيسى من حيث الرغبة والاستعداد للفداء والشهادة”، وأضاف “فلقد خرج الحسين هو يقول لم أخرج أشراً ولا بطراً وإنما خرجت لطلب الإصلاح في أمة جدي محمد، حيث أن الإسلام كان لم يزل وليداً يحبوا، وقد رأى بعينه الثاقبة وحسه الإيماني، أن هذا الإنحراف الذي بدا بسيطاً سيؤدي في نهاية المطاف إلى صحراء شاسعة وتصبح معالجة هذا الإنحراف مهمة مستحيلة، فتصدى له بكل ما أوتي من عزيمة، وعيسى رأى الإيمان كان يهتز في نفوس شعبه، لذلك لم يتردد في معالجته والتضحية من أجله”.
وحول سؤال وجه له يقول “هل نحتاج في عصرنا الحالي إلى كربلاء لإعادة الأمة لجادة الصواب؟” علّق بارا “نعم نحتاج أن كربلاء في كل عصر، وذلك باستذكارها وتمثل قيمها في قلوبنا وسلوكنا، ، وأضاف “إن كربلاء لم تكن مرحلية وحسب، كانت أزلية وهزت وزلزت أركان الأمة، ولابد أن نستمر في تواصلنا معها وذلك بتفهم جوهرها، لا مانع من استعادة الطقوس الاعتيادية، ولكن يجب أن يواكبها تفهم، وهذا يلقي دوراً كبيراً على عاتق المنبريين ورجال الفكر في أن يقدموا جوهر الحركة الحسينية للمؤمنين غير صعب إذا تجرد الإنسان من ذاتيته وفكر كيف ضحى الحسين في سبل شحذ العقيدة في النفوس”.
ورداً على سؤال حول أبرز الصعوبات التي واجهته أثناء تأليف كتابه الحسين في الفكر المسيحي فقال “واجهت محاربات شديدة واتهامات، كنت في سن صغيرة، لم يصلب لي عود، غضاً صغيراً، كان المطلوب مني أن أكتب قصصاً غرامية وليس عملاً فكريا صعبا، ولكني توكلت على الله وبدأت أولى كتبي أعمال الفكرية من خلال الحسين (ع)”، وأضاف “حينما بدأت أكتب اعتمدت مبدأ كل ما يقبله العقل، أخرجت حسي الإيماني كمسيحي مؤمن , يقدس آل البيت وأحب شخصية الحسين تلك الشخصية التي ليس لها مثيل”.
ورداً على سؤال حول “ماهو أكثر موقف هزك في كربلاء” أجاب بارا “موقفان، الأول حمل الإمام الحسين لطفله الرضيع يطلب الماء له في حين أجابه الأعداء بالسهم الذي استقر في نحر الرضيع، والآخر هو صرخته التي تردت في أودية الدهور ( ألا من مغيث يغيثنا )، تلك الصرخة التي لم تكن لطلب العون، ولكنه قصد بها أن ترددها الأجيال لمعرفة مدى الجحود الذي لدى الأعداء تجاهه وهو سبط النبي وتخاذل الناس عن استجابته”.
وفي نهاية الحوارية أكّد بارا على أن “إن الإمام الحسين شخصية عالمية، وثورته ثورة لكل الإنسانية والإنسان أينما وجد فوق أرض فيها ظالم ومظلوم, وهذه الثورة بشموليتها للإنسانية ومبادئ البشرية الخيرة…فهي إذن عالمية, وشخصية مفجرها لها قدسية لدى أتباع كل الديانات السماوية وغيرها, لأن الإنسانية جمعاء تشترك في ثوابت واحدة لا تتبدل بتبدل الديانات, ونعني بها ثوابت الخير والشر والظلم والعدل, ومن هذا المنطلق والفهم تكون شخصية الحسين لجميع الأديان وأتباعها”، وأضاف “حينما قامت ثورة الحسين جمعت كل ذي ضمير محب للعدل والتفاني في حب آل البيت كوهب والمولى جون والحر التائب وغيرهم الكثير. ولو فهمت مبادئ كربلاء بقلوب صافية لوحدت كلمة المسلمين مهما اختلفت توجهاتهم”.
ــــــــــــ

عن الكاتب

سلمى الزيدي

اترك رد إلغاء الرد

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.