مقالات

الاثار الاقتصادية للزيارة الأربعينية


واثق الجابري ||

تكفيك جولة بسيطة في أحد أرجاء العراق، أو أن تسير بضعة كيلو مترات في طريق أربعينية الإمام الحسين عليه السلام، حتى تشعر أنك في مشاهد لا نظير لها في العالم، من تفانٍ وكرم وتكافل اجتماعي وخدمة خيالية.
لا أتحدث عن الطقوس الروحية والعشق الحسيني، بل سأتناول هذا السخاء وأثره الاقتصادي على مستوى الفرد والدولة، وما لهذه الزيارة من قوة هائلة على الركود الاقتصادي، الذي يتأثر بالوسائل الكلاسيكية في إدارة اقتصاد العراق، والتأثيرات الخارجية المتمثلة بالارتفاع المستمر للأسعار، وعصف الازمات العالمية بالنزاعات، وصراعات رؤوس الأموال والشركات الكُبرى، ما يتطلب هزات اقتصادية تنتشل البلاد من الركود.
عندما تسير في المواكب تجد نفسك في خدمة تتجاوز خمسة نجوم، بالأطعمة والأشربة ووسائل الراحة والعطاء الذي لا يميز بين ثري وفقير، وكلٌّ يقدم ما عنده كي يرفع القدر عندك، ولا ميزة بين وزير أو أمير أوفقير لا يملك قوته اليومي، او ساعٍ مستجير، وتستمر الخدمة من أول سائر من أقصى الجنوب، الى أن يلتحق أفراد ومجاميع ، ليصل عدد السائرين عشرين مليونًا، تُقدم لهم خدمة ما لا يقل عن 10 أيام، في مواكب تنصب متوالية في المحافظات ونهايتها في كربلاء، لتجتمع الى قضية مقدسة، ولو قدر عشرون مليون زائر، فهناك من شارك بالخدمة خمسة ملايين وإطعام لعوائل أكثر من الزائرين، وكل شخص يشارك حسب مقدرته.
لا تقتصر الزيارة على العراقين وأكثر من 3.5 مليون يدخلون من دول شتى، ولو تصورنا كل شخص ينفق في السوق العراقية بين نقل وطعام وسكن وتسوق ما لا يقل عن 100 دولار، وكل عراقي ايضا ينفق مصاريف حسب قدرته، وما يقدم ،إما صناعة محلية أو مستورد عليه ضرائب للدولة، مع حركة هائلة للقطاع الخاص في الأسواق والوقود والطاقة والنقل، والمجموع ملايين الدولارات الى السوق المحلية.
إن هذه الهزة الاقتصادية تحرك الطبقات الوسطى، وسوق العمل والتجارة والسياحة وحركة الطيران التي تصل آلاف الرحلات من وإلى العراق، والتفنن الذي يقيمه العراقيون في تقديم الخدمة، يؤشر الى جهود كبيرة وإنفاق كبير، أبسطها في ما يتعلق بالطعام الذي يقدم بالطريقة الشرقية والغربية والعراقية والتراثية.
يستغرق أقل زائر يومين بثلاثة وجبات طعام، وما يعادل 120 مليون وجبة طعام، ناهيك عن المياه والمشروبات الأخرى والفواكه والخضروات، وهذا يعني بمعدل أيام السير من اقصى الجنوب والمناطق البعيدة 10-15 يوم سير، اي ان الوجبات تزيد على 500 مليون وجبة غذائية، ونقل وأجور لكل الزائرين حتى من أطراف كربلاء، وهذا يقدر بأموال هائلة للنقل والتبضع، وكل هذه الأموال التي تنفق في فترة وجيزة سنوياً، ستولِّد هزةً وتنشيطًا للإقتصاد وإنعكاسًا ايجابيًّا، ينتشل الاقتصاد العراقي من الركود.

عن الكاتب

واثق الجابري

اترك رد إلغاء الرد

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.