تقارير

السلطة الفلسطينيّة حين يرتبطُ مُستقبلها بمستقبل أسرائيل: اسباب أفول السلطة


السفير الدكتور جواد الهنداوي ||

رئيس المركز العربي الاوربي للسياسات و تعزيز القدرات /بروكسل

المقصود في العنوان ” السلطة الفلسطينيّة ” ، وليس القضيّة الفلسطينيّة . أرتبطَ مسار و مصير الاولى بمسار و بمصير اسرائيل ، ومنذ اتفاقيات اوسلوا ،في بداية تسعينات القرن الماضي ، في حين يرتبط مصير اسرائيل ،كيان مُحتلْ و مُغتصبْ ، بمصير حقيقة و عدالة القضيّة الفلسطينية ، القضيّة الفلسطينيّة هي التي تحدّد مصير اسرائيل وليس العكس .
لم تجنِ السلطة الفلسطينيّة من تعاونها مع اسرائيل ،وفقاً لاتفاقيات اوسلو ، غير الضعف والهوان و الانحسار شعبياً و سياسياً ، وعلى المستوى المحلي والعربي والدولي . و مثلما فقدت اسرائيل قوة الردع و قوة التفوّق ،ليس ازاء دول ،وانما ازاء حركات وفصائل مقاومة ،كذلك فقدت السلطة الفلسطينية حضورها السياسي و دورها ازاء الشعب الفلسطيني و ازاء الدول ،وحتى ازاء اسرائيل ، وهذا نتيجة ارتباط السلطة الفلسطينية بمصير اسرائيل ،فيصيبها ما يصيب اسرائيل ، بل و اكثر .
اليوم تلجأ اسرائيل لمصر و احياناً للاردن ، وليس الى السلطة الفلسطينية ، من اجل وساطتهم عند منظمة حماس او منظمة الجهاد الاسلامي لانهاء ردّهم العسكري على اعتداء اسرائيلي ، او من اجل طلب التهدئة وتحاشي اندلاع انتفاضة في الضفة الغربية وفي غزّة والاراضي الفلسطينّية المحتلة .
عوامل عديدة ساهمت في اضعاف الدور السياسي للسلطة الفلسطينيّة : اول هذه العوامل هو غدر اسرائيل ،وسعيها الدؤوب لانهاء القضية الفلسطينيّة ،ظّنت اسرائيل بقدرتها على انهاء القضيّة ، من خلال افراغ السلطة الفلسطينيّة من محتواها السياسي ، وجعلها سلطة أمنيّة لحماية اسرائيل ، ربما نجحت اسرائيل في ذلك ( في اضعاف السلطة ) ، ولكنها فشلت في تصفية القضيّة ،حيث انتقلت الاخيرة ( القضية ) الى أحضان مَنْ يرعاها و يسقيها دماً و تضحيات و يُعيدها الى مسار المقاومة و السلاح ،اي الى احضان حماس و الجهاد الاسلامي والجبهة الشعبيّة و فصائل المقاومة الفلسطينيّة الاخرى .
العامل الثاني الذي أضعفَ السلطة الفلسطينية هو قيام بعض الدول العربية بتطبيع علاقاتها مع اسرائيل . أصبحَ لاسرائيل اكثر من رابط عربي ،علني و رسمي ، تعّول عليه في كل شأن عربياً و دولياً ، يخّصُ القضيّة الفلسطينية . حملة التطبيع الثانيّة ، والتي جرتْ برعاية الرئيس الامريكي السابق ، ترامب ، أشغلتها كلياً لاسرائيل ، و ركنتْ اسرائيل جانباً السلطة الفلسطينية و القضية الفلسطينيّة ، و لولا النشاطات الميدانيّة و السياسيّة لفصائل المقاومة ، لكانت القضيّة في سُبات .
العامل الثالث الذي أضعفَ السلطة الفلسطينية هو حصر تعاطي وتواصل السلطة مع المحور الامريكي العربي الاسرائيلي ، وعزوف السلطة عن التعامل و التعاطي سياسياً مع المحور الروسي العربي الايراني ،مما افقدَ السلطة ورقة الضغط و المساومة ، و حرمها من مصدر قوة آخر ، وتدرك السلطة الفلسطينية اهميّة العلاقات الروسيّة الاسرائلية ،والتأثير الذي تملكة روسيا على اسرائيل . وقد أشرنا الى قيادات السلطة الفلسطينية ، ومنهم المرحوم صائب عريقات ،و السيد الوزير رياض المالكي ، وفي اكثر من مناسبة رسميّة وشبه رسميّة جمعتنا واياهم ، بضرورة الاهتمام بالعلاقات الروسيّة الفلسطينية ، حيث سيكون لروسيا دور مهم في المنطقة وتأثير اهم على اسرائيل .
العامل الرابع الذي اضعفَ السلطة الفلسطينية هو تعاملها مع القضيّة الفلسطينية من زواية آحادية الانتماء العربي للقضية او الانتماء القومي للقضية ،بيدَ ان الواقع و المشهد السياسي و الميداني للقضية يُبّرهُن على فاعلية الانتماء الاسلامي و الديني للقضيّة ؛ اليوم اسماعيل هنيّة ، رئيس المكتب السياسي لحماس ، هو الذي يُستقبل في موسكو ، ويسلّم وزير خارجية روسيا رسالة الى الرئيس بوتين. واليوم تخشى اسرائيل من سلاح حماس والجهاد الاسلامي وتحركاتهما وعلاقاتهما السياسية و الميدانية مع المحور الروسي الايراني العربي .
أولمْ ترفدُ اسرائيل و جودها وكيانها المحتل بقوة انتمائها الديني ، وتطالب بيهودية كيانها المُحتل ؟ فعلام ترّددْ السلطة الفلسطينية من التعامل مع القضيّة في ابعادها القومية والدينية و الانسانية ، و الانفتاح على الدول والمحاور التي تتبنى هذه الابعاد ، ومن اجل فلسطين و القدس ولجمْ جرائم وظلم الاحتلال والكيان !
المساحة الواسعة الشعبيّة والسياسية و العسكرية التي تشغلها حركات المقاومة الفلسطينية ،عربياً واقليمياً و دولياً ، مقارنة مع ما تشغله السلطة الفلسطينيّة ، هل أصبحَ واقعياً و عملياً شعار وهدف السلطة ” بانها الممثل الشرعي الوحيد للشعب الفلسطيني وللقضيّة الفلسطينية”؟

ـــــــــ

عن الكاتب

د.جواد الهنداوي

سفير سابق / رئيس المركز العربي الاوربي للسياسات و تعزيز القدرات /بروكسل

اترك رد إلغاء الرد

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.