دراسات و بحوث

دور المجتمع المدني في بناء السلم المجتمعي


علياء الانصاري ||

شبكة التنظيمات التطوعية الحرّة المسؤولة عن ملأ الفراغ ما بين الدولة والأسرة، أو ما يُسمى بالمجتمع المدني، تُعتبر فاعل حيوي ينصهر في بوتقته مختلف الفاعلين/ ات الذين تجمعهم قواسم معيارية مشتركة قائمة على أساس الاحترام والتسامح تجاه الآخر وتبني قيم العدالة مع إستبعاد العنف كسلوكيات وثقافة، هذا الفاعل الكبير يساهم بشكل عظيم في بناء منظومة الوعي المجتمعي تجاه قضايا الحقوق والحماية والسلم المجتمعي. وعندما نتحدث عن (السلم المجتمعي) فلا نقصد به خلو المجتمع من الخلافات أو الصدامات، ولا نتوقع ان يكون جميع افراد المجتمع متشابهين ومتوافقين..
ما يعنيه السلم المجتمعي هو الإدارة الأفضل للمصالح والاحتياجات المتضاربة، حتى لا يعتقد المواطنون بانهم بحاجة الى اللجوء للعنف للوصول الى حقوقهم، السلم المجتمعي يتعلق بالعلاقات بين الافراد، في التعامل مع المواقف والمشاعر والآراء والمعتقدات والقيم الفكرية والعقائدية. عندما نتحدث عن سلم مجتمعي، فاننا نتحدث عن علاقات قوية متبادلة مع الدولة والفئات الأخرى في المجتمع، وإنهم على ثقة بان القرارات الصادرة عن الدولة يتم إتخاذها بشكل عادل. وهذه الثقة تُبنى عندما يتم توفير المعلومات للمواطنين المتعلقة بالقضايا التي تهمهم، ويُتاح لهم الفرصة لإعطاء أفكارهم وآرائهم لممثلي الدولة، ويتم الأخذ بها، كذلك بناء الثقة يستوجب وجود مناخ يستطيع المواطنون فيه، تبادل الآراء والأفكار والمعلومات مع الفئات الأخرى المختلفة لزيادة التفاهم وبناء أرضية مشتركة بين الجميع. ولعمري، هذه مهمة شاقة وصعبة، خاصة في مجتمع صعب ذو تركيبة معقدة، تلك التركيبة التي تميل دوما الى العنف في سلوكياتها وإتخاذ قراراتها سواء على المستوى الشخصي أو العام. حيث تُصنف الشخصية العراقية من الشخصيات العنيفة ذات الازدواجية في تعاملها، والتي تميل دوما الى إقصاء الآخر وتهميشه، وغالبا ما يكون ذلك الاقصاء للاضعف والأقل حيلة وفرصا. فالرجل تتحكم فيه السلطة الذكورية وثقافة الأقصاء لكل ما هو (أنثوي)، باعتباره هو (الجنس) الأفضل، مما جعل المرأة دوما هي الحلقة الأضعف، وبالتالي تكون أكثر عرضة للتهميش والاقصاء وفقدان الحقوق. أصحاب المناصب والمعالي، يشعرون بفوقية لمن هو أدنى منهم، وبالتالي يكون من السهل عليهم بما يملكون من نفوذ (مال / سلطة)، إقصاء الآخر وتهميشه.
أيّ صاحب سلطة، مهما كانت بسيطة، هو قادر على إقصاء من هو دونه، إذا تمكن من استخدام سلطته بالطريقة التي يراها مناسبة لما يعتقد من فوقية وأفضلية على الآخرين، وهذا يصدق في جميع مجالات الحياة. لذلك، يمتاز المجتمع العراقي، إضافة الى ميزة (العنف)، بشغفه في السعي وراء التناحرات والصراعات، البحث وراء سلبيات مبعثرة هنا وهناك، لينضدها ويصنع منها ثقافة، في حين يتجافى عن إيجابيات تزخر بها الحياة، ليركنها بعيدا في زاوية معتمة، وخير مثال على ذلك، ما تقوم به وسائل التواصل الاجتماعي على اختلافها، من التركيز والترويج لكل موقف سلبي او حادثة مثيرة للتفرقة، أو فضيحة معينة، خاصة إذا كان محورها: المرأة أو الدين. في حين لا يركز كثيرا ولا ينشر المواقف الإيجابية والحوادث التي تجمع الناس وتوحدهم، أو الاخبار التي يصنعها نساء ورجال ايجابيون في مجالات الحياة المختلفة، هؤلاء لا يتم الإشارة اليهم، في هذا الصدد يقول الناشط المدني الدكتور ياسين فرج ياسين الاكاديمي في جامعة صلاح الدين: (غالبا ما تكون قدواتنا: العسكري والريس والقائد لأننا مجتمع عنيف ونؤمن بالقدوة التي تضرب خصومها وتدحرهم، فالأمثلة التاريخية التي نعتز بها حتى لو تكلمنا عن لينها وتسامحها في بعض المواقف إلا أن الجانب الدموي هو السائد، وفي البيت العراقي عادة ما يكون الفرد بين خيارين: أما أب مسيطر أو أم مسيطرة، نفتقر الى لغة الحوار والتفاهم في علاقاتنا الاسرية، في حين لدينا علماء ومفكرين وفنانين وشخصيات نسائية فاعلة، لو تبنيناهم كقدوات وسلطنا الضوء عليهم لتغيرت الكثير من الأشياء في حياتنا).
وعن أهمية هذه القدوات وأسباب عنف الشخصية العراقية، تحدث الباحث الدكتور عباس العطار قائلا: (لا شك ان المجتمعات تتأثر برموزها وما يخرج منها من خطاب لفظي أو إيماء جسدي أو أيّ ممارسة، وعادة ما تتلقى عوام الناس ثقافتها من وسائل التواصل الاجتماعي وما تطرحه فضلا عن الظروف الاقتصادية والسنن الاجتماعية المترسخة في اعراف المجتمع، لذلك كل ما نراه من عنف هو نتيجة هبوط ثقافي من الأعلى الى القاع الاجتماعي ويشكل بدوره الهوية العامة). فيما ذكرت الأستاذة جيهان التميمي الناشطة المدنية في مجال بناء السلام ان سبب ميل الشخصية العراقية للعنف، هو: (السبب في ان الشخصية العراقية تميل الى العنف والمهاترات على مواقع التواصل الاجتماعي هو ما مرّ على البلاد من تغييرات جذرية، فبعد ان كان الفرد العراقي ممنوعا من ابداء رأيه وأحساسه بسبب المراقبة والتسلط من قبل الحكومة السابقة، أصبحت الآن كل الوسائل أمامه متاحة فأصبح يبدي رأيه بهجومية كردة فعل على الكبت الطويل الأمد.. من الخوف المطلق الى الحرية المطلقة بدون ضوابط).
فيما يعتقد الإعلامي والباحث الأستاذ حيدر الزركاني مدير مركز المرايا للدراسات والاعلام في محافظة النجف ان النزعة العشائرية المتأصلة في المجتمع وهي نزعة تميل لاستخدام العنف في حل الخلافات والمشاكل هي أحدى أسباب العنف المجتمعي، ويذكر أيضا: (ان تأثر الشباب بمحتوى التواصل الاجتماعي الذي تحكمه خوارزميات (التفاهة الاستهلاكية) والتحريض العنيف مع فشل حكومي واضح في المراقبة والسيطرة والتحكم بمحتوى التواصل الاجتماعي مثلما حدث مؤخرا أثناء الزيارة الاربعينية إضافة الى فشل القوى السياسية والاجتماعية والثقافية في إنتاج ثقافة بديلة لثقافة الدكتاتورية، كل هذا ساهم في تجذير العنف لدى الشخصية العراقية).
إن عملية بناء السلام، عملية شاقة تتطلب صبرا كبيرا وزمنا أكبر.. لأنها عملية تغيير قناعات وأفكار تربينا عليها لقرون عديدة، قناعة (أنا الأفضل.. سواء ديني الأفضل، مذهبي الأفضل، عشيرتي الأفضل، مهنتي الأفضل، وهكذا..)، كما ان تفرد فئة قليلة من المجتمع بموارد السلطة سواء السلطة السياسية بشقيها التشريعي والتنفيذي، او السلطة الدينية، او سلطة الأقتصاد والأموال، او سلطة العشيرة والنفوذ، وإحتكار الموارد بأيدي فئة من الأشخاص الذين يتحكمون بمقدرات البلد، جعلت من عملية بناء السلام، أصعب وأكثر تعقيدا. فبناء السلام لا يعني غياب العنف أو الحرب فقط، بل هو يشمل إحترام حقوق الانسان، التعاون، الانصاف، المساواة، تعزيز التنمية المستدامة، والأمن البشري.
وكل ذلك يبدأ من الوعي الذاتي للإنسان بمنظومة الحقوق، حق الجميع في الوصول الى حقوقهم، دون تمييز، دون إقصاء، وحق الجميع في العيش بسلام وآمان وكرامة. لذلك مشوارنا طويل، يبدأ من تغيير (القناعات)، الى بناء سلوكيات جيدة تؤمن بمنظومة الحقوق على أساس المساواة والعدالة بين الجميع، وتؤمن بالحوار على أساس المشتركات وإحترام الآخر، وترفض التهميش والتسقيط أو الاستخفاف بمعتقدات الآخرين وأفكارهم والتجاوز عليهم. بعبارة بسيطة جدا: بناء السلام يعني (أن نعيش بحبّ.. نحب أنفسنا ونحب الآخرين ونحب الحياة) حينها، سيأتي أُناس يشرعون قوانين منصفة وعادلة، وتظهر مؤسسات الدولة القائمة على أساس القانون المنصف العادل وحماية المواطنين جميعهم بدون استثناء، وعدم التسامح مع أي شخص أو جهة تعمل خلاف لغة الحوار والتسامح والفهم المشترك للحقوق.
وفي هذا الصدد، يؤكد الدكتور ياسين فرج ياسين عن أن أهم دور للمجتمع المدني في بناء السلام: (هو توحيد الخطاب المدني أمام كل موجة طائفية، فمازال موضوع السنة والشيعة لم يتجاوزه العديد من العراقيين لذا يجب ان تكون هناك برامج مدنية جديدة تشتغل على هذا الموضوع،
ومن المهم ان يكون هناك تنسيق للجهود بين المجتمع المدني والمؤسسات الدينية التي نتوقع منها سرعة استجابة لاي طارئ او حدث واحتوائه قبل ان يصبح مادة للصراع، كذلك من المهم ان نخاطب الجيل الجديد من خلال المناهج الدراسية بمواد وطنية خالصة تُبعدهم عن أي تعنصر أو طائفية).
اعتقد ان المجتمع المدني له دور كبير في تعزيز مفاهيم السلم المجتمعي، والعمل على تحسين بيئة العيش المشترك من خلال تقدير متطلبات واحتياجات واولويات المجتمع ومن ثم مساعدة الناس على التعبير عن هذه الاحتياجات والاولويات وبناء قدراتهم للاستجابة لهذه الاحتياجات والاولويات وان يكونوا فاعليين في تحقيقها، ويجب على المجتمع المدني ان يكون متواجدا دوما على طاولة المفاوضات وان يكون صوتا صادقا لاحتياجات المجتمع، وربما بإمكاننا ان نعتبره (حلقة الوصل) بين الجماهير والدولة سواء بمؤسساتها أو رجالاتها.
واعتقد عند تقدير متطلبات واحتياجات واولويات المجتمع العراقي، سنقف عند نقطة (الوعي)، الوعي بالذات والآخر وإعادة تشكيلة منظومة الوعي على أساس العيش المشترك واحترام حقوق الجميع، وإشاعة ثقافة الحوار والمحبة.
لذلك معركتنا مع العنف، هي معركة (وعي) ينتج (سلوكا)، والسلوك ينتج (ثقافة) تتحول بتراكم الممارسات وتقادم الأيام الى (صبغة). لذلك علينا بالاجيال الصغيرة والفتية والناشئة، لوقف عجلة (إنتاج العنف)، وتحويلها الى عجلة (إنتاج المحبة والتسامح). وهذه المعركة تحتاج الى جهود الجميع، وصبرهم وكفاحهم.. فالمسيرة طويلة ولكن تحقيق الهدف ليس بمحال.


ــــــــــــ

عن الكاتب

علياء الأنصاري

اترك رد إلغاء الرد

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.