مقالات

برسم الحاكم والمحكوم؛ التفسير والتبرير – في الفعل والمنتوج بين الوقائع والذرائع

علي عنبر السعدي ||

1- التبرير
التبرير بخلاصته: إضفاء نقاط غامضة على حقيقة واضحة ، بمعنى (إعماء الواضح في الحقيقة ) كي يمكن النفاذ من خلاله إلى كسب ود المُخاطب ، لتجاوز مايمكن أن يقع فيه صاحب التبرير من أخطاء أو سوء أداء ، أو إخفاء حقيقة مقاصده ،أما ابرز المصطلحات المستخدمة في التبرير فهي ( الظروف – المؤامرة – الصعوبات – التركة الثقيلة ) ومما يلاحظ في منهج التبرير إن قاموسه يكاد يخلو من مفردات تَحمّل تبعات الخطأ كالإعتراف بالفشل أوالإقرار بالعجز أو عدم الكفاءة .
التبرير هو (المدرسة) الأخطر في حياة الشعوب كما الأفراد ، أنه نوع من ” الجبن ” بالمعنى السلوكي والقصور بالمفهوم الفكري والخداع في الجانب السياسي ، لذا فالشعوب التي يسود فيها التبرير ، هي تلك المحكومة من أنظمة دكتاتورية ،أو الأشخاص الفاشلون عموماً، لكنه في الدكتاتوريات يتخذ خطّاً تصاعدياً باتجاه واحد يسير من الأسفل وصولاً إلى الأعلى، ثم ينقطع عند رأس هرم السلطة (الرئيس أو الملك أو الأمير) لأن الأخير وبحكم ما يمتلك من صلاحيات مطلقة ، لايحتاج معها إلى تبرير أعماله أمام أحد.
أما منهج التبرير الأكثر تشابكاً والأوسع انتشاراً ،فهو الذي يقع في الديمقراطيات الناشئة ، ذلك لأن الحاكم في أنظمة كهذه ،يسعى إلى كسب عاطفة الناس كي تمنحه أصواتها ،لذا يرافقه شعور دائم بالحاجة إلى التبرير لإخفاء عجزه أو فشله ، مع ضمان استمراره في الحكم ، إعتماداً على دعاوى دينية أو طائفية أو إثنية ،لأن العاطفة تكون موضع التفاف حول من يستطيع إثارتها ، بعكس العقل الذي يبدأ بطرح الأسئلة والبحث عن مكامن الخلل ، الدعوة إلى التغيير عند اكتشافه .
أصحاب التبرير يفتقدون في الغالب إلى منطق متماسك تسنده الوقائع ، لذا يستعيضون عنه بذرائع ، غالباً ماتكون مرتبكة وهشّة أو “حقائق” مختلقة يخشون انكشافها ، لذا يدافعون عن أخفاقاتهم بخنوع ومواربة أمام المراتب الأعلى، وبعدوانية تجاه الأدنى أو المتساوي في المرتبة تتمثل في الجهوزية لتبرئة الذات باتهام الآخر ،وإعادة الأمور من ثم إلى نقطة البداية من خلال مايسمى ب(خلط الأوراق ) ودفع المواضيع باتجاه العموميات ، مع التهرّب من التحديد والتركيز.
ولأن التبرير يعتمد في الغالب على قلب الحقيقة وتقديمها بغير صورتها ، لذا يحمل مقادير من التكاذب والكذب على السواء ، فكلّ تبرير يكون مصاحباً ، إما للتزوير أي أن تكون الحقيقة بأكملها – أو بجزئها الرئيس- مختلقة ،وإما للتحوير ،أي استخدام جزء من الحقيقة لتشويه الأجزاء الباقية .
2- التفسير وحيويته السياسة والاجتماعية
في المقابل يبرز منهج التفسير في الشعوب المتقدمة والسياسيين الناجحين والعاملين المهرة والعقلاء والعلماء، والتفسير يقوم على مبدأ إيضاح النقاط الغامضة في الحقيقة كي يتسنى للآخرين معرفتها بالاحتكام إلى العقل ، لذا ففي حين يكون التبرير رفيقاً للخديعة والمراوغة ، يتقدم التفسير باعتباره من أدوات الحقيقة وأعمال العقل، كما تظهر حالة أخرى ترتبط بمصطلح التفسير بشكل ما ، أي (التقصير) الذي يعني عدم إعطاء الجهد اللازم لإنجاز عمل معين أو خلل في تقدير الوقت ، ما يؤدي إلى إطالة في الزمن وجهد إضافي ينبغي أن يستثمر في عمل آخر ، وفيما يستبطن التقصير إستعداداً للإقرار وتدارك مافات ،فإنه كذلك قد يدفع إلى أحد إحتمالين : أما إلى التبرير إذا تكرر التقصير من الجهة أو الشخص ذاته ،أو التفسير إذا جاء التقصير لحيثية موضوعية .
وهكذا يسير كل من منهجي (التبرير والتفسير ) بطريقين متعاكستين ،فمقدار مايسعى التبرير إلى الإخفاء ، يسعى التفسير إلى الإظهار ،وبمقدار ما يخادع الأول، يصدق الثاني .
أما أشكال التبرير فهي على نوعين :
أ :جمعي – طابعه التحذير مما يعدّه الآخرون وبالتالي التحريض ضدهم
ب: فردي – ذرائعي يهدف إلى تبرئة النفس واتهام الظروف غير الملائمة.
وفيما يشهد الصنف الأول شيوعه وانتشاره في الأوساط السياسية بشكل عام ، يتفشى الصنف الثاني بين صفوف موظفي الدولة على وجه الخصوص .
أما القطاعات الأهلية كوسائل الإعلام المختلفة وأصحاب المصالح والصناعات وماشابه ، فيتراجع فيها التبرير بشكل ملحوظ حيث الفشل قد يعني فقدان الوظيفة .


ـــــــــــ

عن الكاتب

علي عنبر السعدي

اترك رد إلغاء الرد

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.