تقارير

القندس العراقي..!!


عادل الموسوي ||

“القندس”: من رتبة القوارض، يعمل بصورة دؤوبة على بناء السدود من أخشاب الأشجار التي يقطعها بأسنانه البرتقالية الحادة المدعّمة بالحديد، يُدَعِّم -هذا الحيوان البارع- قاعدة السد بالجذوع الضخمة والطين والحجارة..
قد تصل اطوال السدود التي يهندس بناءها الى بضع مئات من الامتار..
قدراته مزيج بين الغريزة والذكاء والمهارة..
توفر السدود الحماية لبيوت “القنادس” من اعداءها، وتساهم بتوفير بيئة مناسبة لنمو انواع من النباتات المهمة في تغذيتها..
قد لا تتاثر البيئة التي تبني فيها “القنادس” سدودها، لانها منسجمة متلائمة مع الطبيعة التي يتم التعامل معها بحسب الفطرة والغريزة..
“القنادس” نوعان: “الأمريكية الشمالية” و”الاوراسية”، وللأسف لم تستوطن تلك الحيوانات اللطيفة بلاد ما بين النهرين، ولم يكن لها نصيب في موروثها الشعبي..
الا انني عثرت في مقال يذكر كاتبه فيه “كلب الماء” ويسميه “قندسا”، واظن ان ذلك اشتباه لانه حيوان اخر، وعلى مقال اخر يتناول موضوع الحيوانات العراقية النادرة يذكر كاتبه منها: “كلب الماء ماكسويل”، ويعرِّفه بانه: “فصيلة نادرة ومختلفة عن كلاب الماء وتشبه صفات القندس من ناحية السلوك..”
والحيوان المقصود: هو المعروف عند العراقيين بـ”چلیب الماي”، ومن الطبيعي ان الصفات التي تشبه “القندس” من ناحية السلوك ليس منها بناء السدود، لان “چلیب الماي العراقي”، لا يمتهن تلك المهنة!!
المثل في موروثنا الشعبي يقول: “چلیب الماي مطلوب على جلده”..
ولم يعرف مصير ذلك الحيوان بعد تجفيف الاهوار عام ١٩٩٢، واعني: ليس عندنا -الان- “قندس” حقيقي ولا حتى افتراضي..
قد يتهكم البعض وينتقد سياسة الدولة وسوء ادارة الموارد المائية في مواجهة شحة المياه، ويعتقد ان الحلول الجوهرية تكمن في بناء السدود..
ويعتقد ايضا ان السبب الرئيس لأزمة المياه هي دول المنبع تركيا وايران، ويركز بالدرجة الاولى على ايران لاسباب “عاطفية”!!
كما يعتقد -توهما- بأن مياه النهر تذهب في البحر هدرا..
قد يكون جزء مما يعتقده البعض صحيح، فهناك احاديث عن سوء ادارة الموارد المائية، واخرى عن سياسة الدولة وتعاملاتها الخارجية مع دول المنبع وان الاداء في ذلك متواضع جدا، بل ان تعاملاتها الداخلية مع الشركاء متساهلة وربما تخضع الى تفاهمات سياسية..
بالنسبة لايران فالمفترض: ان تتقاسم الضرر معنا..
لكن لسان حالها يقول: “الجود من الماجود”..
العراقيون “يگولون: لا.. الجود من الجلود”..
والواقع يقول: ان ايران دولة وليست مجموعة من الزاهدين الذين قال الله تعالى فيهم: {..وَيُؤْثِرُونَ عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ ۚ..}
العراقيون يتهمون ايران بقطع نهر “الكارون”، وفي الواقع فإن هذا النهر-والذي ينبع من “كوه زرد” (الجبل الاصفر) ويتجه داخل الاراضي الإيرانية عبر الاهواز الى مصبه في شط العرب- قد شحت مياهه وجفت مساحات واسعة منه تماما، وقد خرج اهالي المناطق المتاثرة بجفافه بتظاهرات كبيرة ضد الحكومة، متهمة الجهات المسؤولة بغلق النهر وتحويل ايراداته من المنبع الى نهر “زاينده”، والذي ينبع ايضا من “الجبل الاصفر” نفسه باتجاه “اصفهان”..
لقد خرج المزارعون الاصفهانيون باحتجاجات واسعة ضد الحكومة يتهمونها بتحويل مسار “زاينده رود” الى مناطق اخرى!!
الى اين ذهبت مياه نهر “الكارون” و”زاينده رود”؟
في الواقع لا مياه وفيرة لكي تذهب او يتم تحويل مسارها، لقلة الايرادات المائية في السنوات الاخيرة بسبب التغيرات المناخية..
لقد لاحظت اطلاقات المياه عند توفر ايراداتها في “زاينده رود” في بعض السنوات، واعادة الاطلاقات نحو العراق من نهر “الكارون” في اوقات الوفرة، مع ملاحظة ان البعض يغض الطرف عن مثل تلك الاطلاقات ولاينوه عنها في الاعلام..
ان مناطق ايران التي يمر بها “الكارون” تعاني ماتعانيه البصرة من “المد الملحي” مضافا الى معاناتها بسبب جفاف انهارها ايضا..
اما بالنسبة لـ”تركيا” فالخلاف متوقف على المستند في القواعد في تصنيف الانهار الى دولية او عابرة للحدود..
ان المستند في ذلك يرجع الى سياسة الدول في تفسير المصطلحات وتطبيق المصاديق، والاطر التي تحكم ذلك..
ان الجغرافيا التاريخية -من وجهة النظر التركية- تعتبر ان دجلة والفرات كانا ولازالا من الانهار الوطنية وانهما حوض واحد من المنبع الى المصب بحسب الخارطة التي كانت تحكمها “الدولة العثمانية”!!
ان السياسة التركية في ادارة الموارد المائية واستحداثها العديد من مشاريع السدود والخزانات وتعاملها الاناني مع دولة المصب لما تبقى من المياه خارج الحدود، مضافا الى سوء الادارة والسياسة الداخلية العراقية، اثر بشكل كبير وملموس على مناسيب المياه في حوضي دجلة والفرات وتسبب في معاناة المدن كلما اتجهت الانهار جنوبا لتتركز المأساة في البصرة..
عادل الموسوي,
والحل يكمن في ضرورة براعة “المفاوض العراقي” في استنقاذ الحق المائي والوصول الى توافقات منصفة لتقاسم الفوائد والمضار لمواجهة ازمة المياه العالمية..
والمفترض ان تستغل تلك “البراعة” في استنقاذ الحق في تقاسم الحصص المائية بين المدن العراقية وان لا تستأثر مدن بعينها على تلك الثروات امام تهاون، تساهل، تغاضي، تغافل.. حكومات المركز..
قبل توسعة الحديث -نوعا- في هذا الجانب اود الانتهاء من تناول بعض المفاهيم التي قد تكون بحاجة الى اعادة نظر..
-ان بناء السدود ليس هو الحل الرئيس في معالجة ازمة شحة المياه، فما لم تبلغ تلك السدود طاقتها الاستيعابية القصوى فما جدوى استحداث سدود جديدة..
لقد تم بناء السدود في خمسينيات العراق لمواجهة الفيضانات في مواسمها المتكررة، وان المناطق التي كانت تحميها السدود في تلك المواسم، ربما ستكون تحت رحمة اطلاقات تلك السدود ان لم تتم وفق سياسات توزيع عادلة من الشمال الى الجنوب..
-تحوي بحيرة “الثرثار” خزين مائي “استراتيجي”، تعادل المليارات المكعبة من الماء فيه واردات دجلة والفرات مجتمعة مدة عام، ويذكر ان الهدف من مشروع هذه البحيرة كان لتصريف المياه لدرء خطر الفياضانات انذاك، اي ان وظيفة البحيرة كانت تصريفية لا اروائية، وان المياه العذبة الواردة اليها ستمتزج بمياه البحيرة المالحة وبذلك لن يمكن الاستفادة من استرجاع تلك المياه للاغراض الزراعية عند امتزاجها بمياه النهرين ان تعدت نسبة الملوحة مقدار معين، وتذكر الدراسات ضرورة اقامة مشاريع التحلية لمياه تلك البحيرة..
– قلنا ان البعض يعتقد ان وصول مياه النهر الى البحر يعد هدرا ومن سوء ادارة الموارد المائية واستثمارها، والواقع ان ذلك توهم خاطيء، لان مياه البحر بحاجة الى الدفع بايرادات كافية من المياه العذبة لإيقاف “المد الملحي”..
هناك من يقول: ان المد الملحي لا يمكنه ان يتجاوز مناطق معينة..
وهنالك من يقول: ان معالجة المد الملحي ممكنة ببناء سد في احد اماكن ثلاثة مقترحة على شط العرب لايقاف ذلك المد، ويبدو انه حل عملي، لكنه موكول الى الخبراء والمختصين لدراسة جدواه وإمكانية تنفيذه وعدم وجود عوارض سلبية غير ملحوظة فيه..
في الحقيقة.. ان تجاوزنا اسباب أزمة المياه في العراق ومنها: الدولية التي ظاهرها ضعف السياسة الخارجية، والداخلية التي ظاهرها سوء الادارة..
فمن المؤلم جدا والمؤسف ان يتعامل الشركاء في الوطن بانانية مع شركائهم..
ان استحداث السدود في مواسم الشحة لا يخدم الا المناطق المتاخمة لتلك السدود، ويمنع المناطق المتأخرة عنها..
هذا ما تعتزمه بعض “القنادس” الأنانية في شمال العراق..
فقد عقدت وزارة الزراعة ومصادر المياه في الإقليم مذكرة تفاهم مع شركة صينية لبناء ٤ سدود في السليمانية ودهوك واربيل، كما رصدت مبالغ طائلة لاستئناف العمل في ١١ سدا، وتخطط لبناء ٢٤٠ سدا اخر..
موارد الاقليم تدعي علم الحكومة المركزية بتلك المشاريع!!
والموارد الاتحادية تنفي علمها بذلك!!
المشاريع مستمرة والتفاهمات السياسية مستمرة.. وشحة المياه ازمة عامة، ربما تضخم ويراد استغلالها سياسيا لضرب الخصوم..
قبل بضع سنوات تصاعد الحديث عن شحة المياه الى درجة مرعبة، فاغدقت السماء بماء منهمر فاقت كمياته التصورات.. ان التكهنات عن عراق بلا انهار مخيلة تحركها تصوارت صحراوية..
لكن مع ذلك لابد لنا من “قنادس” طيبة، تجمع في قدراتها: الخبرة والمهارة والاخلاص..


ـــــــــــ

عن الكاتب

عادل الموسوي

اترك رد إلغاء الرد

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.