تقارير

فرص النجاح وهواجس الاخفاق في الحكومة العراقية الثامنة

عادل الجبوري ||

بعد اكثر من عام كامل على اجراء الانتخابات البرلمانية المبكرة، وبعد صراعات وتجاذبات سياسية حادة، كادت ان تعصف بعموم الوضع العراقي، طويت صفحة الانسداد والجمود السياسي، بتشكيل الحكومة العراقية الجديدة ونيلها ثقة البرلمان في السابع والعشرين من شهر تشرين الاول-اكتوبر الماضي-الجاري-لتبدأ مرحلة سياسية جديدة حافلة بالاستحقاقات والمطالب والتوقعات، والمخاطر والضغوطات والتحديات.
اختلفت الحكومة الجديدة برئاسة محمد شياع السوداني، منذ عام 2003، من حيث ظروف ومخاضات تشكلها وولادتها عن الحكومات السبع السابقة لها. فلاول مرة ينجح رئيس الوزراء المكلف في انجاز تشكيل حكومته خلال اسبوعين فقط، اي بأقل من نصف المدة الدستورية المحددة بثلاثين يوما من تأريخ التكليف. وربما لاول مرة ايضا، ينجح رئيس الوزراء المكلف في تقديم كابينة وزارية اشبه ما تكون بالمتكاملة، اذ انه جاء بواحد وعشرين مرشحا لشغل واحد وعشرون حقيبة وزارية من مجموع ثلاث وعشرين، لتبقى حقيبتان معلقتان، هما البيئة والاعمار والاسكان، بسبب خلافات بين الحزبين الكرديين الرئيسيين، الحزب الديمقراطي الكردستاني بزعامة مسعود البارزاني، والاتحاد الوطني الكردستاني بزعامة بافل الطالباني.
في السابق كان هناك عدد غير قليل من الوزارات لايحسم امرها منذ البداية، بسبب الاختلافات والتقاطعات بين الفرقاء، والاكثر من ذلك، ان بعضها كان يبقى يدار من قبل رئيس الوزراء، او من قبل وزراء اخرين بالوكالة.
الى جانب ذلك، فأن سرعة منح الثقة لمرشحي الوزارات من قبل اعضاء البرلمان الحاضرين في جلسة منح الثقة، وعددهم 253 نائبا، كانت ملفتة وغير مسبوقة، وعكست وجود توافقات وتفاهمات جيدة بين الكتل والقوى السياسية المختلفة، انطلقت في جانب منها بالرغبة الجادة بتجاوز المنعطف الخطير والمأزق الخانق الذي وصلت اليه العملية السياسية في البلاد.
ومن حيث تركيبتها العامة، ضمت التشكيلة الحكومية الجديدة، شخصيات سياسية واكاديمية محسوبة على القوى السياسية التي شكلت تحالف ادارة الدولة من المكونات الثلاثة، الشيعية والسنية والكردية، متمثلة بقوى الاطار التنسيقي، وابرزها ائتلاف دولة القانون وتحالف الفتح وحركة عصائب اهل الحق وكتلة تصحيح، والحزبين الكرديين الرئيسيين، الديمقراطي الكردستاني والوطني الكردستاني، الى جانب تحالف السيادة وتحالف عزم، اضافة الى حركة بابليون المسيحية. فيما اعلن في وقت سابق كل من المستقلين ومعهم حركة امتداد التشرينية، وحراك الجيل الجديد الكردية، وتيار الحكمة، واشراقة كانون، عدم مشاركتهم في الحكومة. مع مقاطعة كاملة من قبل التيار الصدري الذي كان اعضاءه الثلاثة والسبعين في البرلمان قد انسحبوا واستقالوا اواخر شهر حزيران-يونيو الماضي بأمر من زعيم التيار السيد مقتدى الصدر، علما انه اعلن فيما بعد اعتزال العمل السياسي، احتجاجا واعتراضا على نهج المحاصصة في ادارة شوؤن البلاد، ولانه لم يتمكن من تطبيق رؤيته بتشكيل حكومة اغلبية وطنية مع بعض شركائه الاكراد والسنة.
العدد الاكبر من اعضاء حكومة السوداني، لم يتسنموا مناصب وزارية في السابق، الا خمسة منهم، وهم وزير الخارجية فؤاد حسين، ووزيرة الهجرة والمهجرين ايفان فائق، اللذين كانا يشغلان نفس موقعيهما في الحكومة السابقة، اضافة الى وزير الصناعة والمعادن خالد بتال الذي كان يشغل منصب وزير التخطيط في الحكومة السابقة، ومحمد تميم الذي كان وزيرا للتربية في حكومة نوري المالكي الثانية (2010-2014)، وانيطت به حقيبة التخطيط في الحكومة الجديدة، وكذلك وزير الصحة الحالي صالح مهدي الحسناوي، الذي كان قد شغل نفس المنصب بين عامي 2008 و 2014.
والى جانب الشخصيات الاكاديمية والمهنية (التكنوقراط) في حكومة السوداني، فأن هناك شخصيات سياسية تشغل مواقع قيادية متقدمة في بعض القوى والكيانات، اختيرت لتولي مناصب وزارية في الحكومة الجديدة، مثل القيادي في حركة عصائب اهل الحق نعيم العبودي، الذي تولى وزارة التعليم العالي والبحث العلمي. ورئيس كتلة السند الوطني والقيادي في الحشد الشعبي احمد الاسدي، الذي تولى وزارة العمل والشؤون الاجتماعية، وكذلك العضو القيادي في حزب الاتحاد الوطني الكردستاني خالد شواني الذي تولى حقيبة العدل في حكومة السوداني. في ذات الوقت ضمت الحكومة الجديدة، ثلاث نساء، هن كل من وزيرة المالية طيف سامي، التي كانت تشغل موقع وكيل وزير، وتعد طيلة اعوام، العقل المدبر في الوزارة، لاسيما حينما كانت تشغل منصب مدير عام دائرة الموازنة، والمرأة الاخرى، هيام الياسري التي انيطت بها حقيبة الاتصالات، اضافة الى وزيرة الهجرة والمهجرين ايفان فائق.
ولاشك ان الوقوف عند طبيعة تركيبة الحكومة الجديدة، من زوايا وجوانب مختلفة، يمكن ان يساعد بمقدار معين في التأشير الى فرص نجاحها، وكذلك تشخيص هواجس اخفاقها. فوجود شخص مثل محمد شياع السوداني على رأس الحكومة، يعد مؤشرا نسبيا للنجاح، ارتباطا بكون الرجل تدرج في العديد من المواقع التنفيذية العليا، فضلا عن وجوده كعضو في البرلمان لاكثر من دورة، وبالتالي لديه معرفة والمام بالكثير من التفاصيل والجزئيات، ولاتخفى عليه الكثير من مسارات الانحراف والفساد وسوء الادارة والتخطيط. فضلا عن ذلك فأنه-اي السوداني-يمتلك سيرة مهنية وشخصية خالية من شبهات الفساد وسوء استغلال السلطة، وعدم التورط بأي مشاريع تنطوي على طابع سلبي، الى جانب علاقاته الجيدة مع مختلف القوى والاطراف. وفوق هذا وذاك، فأنه جاء ببرنامج وزاري يتسم بالواقعية والعملية الى حد كبير، تضمن خمس أولويات، هي:
-مكافحة الفساد الاداري والمالي.
-معالجة ظاهرة البطالة وخلق فرص العمل للشباب من الجنسين.
-دعم الفئات الفقيرة والهشة ومحدودي الدخل من المواطنين.
-إصلاح القطاعات الاقتصادية والمالية وخاصة قطاعي الزراعة والصناعة والقطاع المصرفي ودعم القطاع الخاص.
-العمل بشكل عاجل على تحسين وتطوير الخدمات التي تمس حياة المواطنين.
واقر البرنامج الوزاري، إعادة النظر بجميع قرارات حكومة تصريف الاعمال اليومية برئاسة مصطفى الكاظمي، وخاصة الاقتصادية والامنية، والتعيينات العشوائية غير المدروسة. وصرف مستحقات البترودولار للمحافظات المنتجة للنفط والغاز وفق مدد زمنية مقبولة. وإجراء انتخابات مجالس المحافظات وتحديد موعد اجرائها في البرنامج الحكومي، والتزام الحكومة ببناء أدوات فعالة لمحاربة الفساد خلال مدة أقصاها تسعين يوما من تاريخ تشكيلها. والالتزام بإعادة النازحين الى مناطق سكناهم خلال ستة أشهر من تشكيل الحكومة، بما في ذلك نازحو منطقة جرف النصر شمال محافظة بابل بعد تدقيق ملفاتهم أمنيا. وإكمال تشريع قانون النفط والغاز وفقاً للدستور في غضون ستة أشهر من تاريخ التشكيل.
ليس هذا فحسب، بل ان الدعم السياسي الواسع له والتفاعل الشعبي معه، والاشارات والرسائل الايجابية من المحيط الاقليمي والفضاء الدولي، كلها تعد ارضيات مناسبة من شأنها ان تعزز وتكرس فرص النجاح. والشيء المهم ايضا، يتمثل في انه حتى الاطراف المعارضة والمقاطعة، كالتيار الصدري، التزمت الصمت، ولم تتبنى اي مواقف او تحركات تعرقل وتعوق تشكيل الحكومة، كما كان متوقعا، ويبدو ان التيار، رأى ضرورة اعطاء فسحة من الزمن للسوداني وحكومته، ومن ثم يكون له موقف على ضوء طبيعة الاداء ومخرجاته بعد ثلاثة شهور او اكثر بقليل.
واذا كانت اجواء ومناخات وارضيات الدعم والاسناد، وسرعة تشكيل الحكومة، وسرعة نيلها ثقة البرلمان، واحتوائها على شخصيات مهنية كفوءة ونزيهة، وواقعية البرنامج الوزاري، وقبل ذلك كله، شخصية وسيرة ومسيرة رئيسها، هي جميعها بمثابة فرص ومقومات للنجاح، فأن هنالك هواجس قلق غير قليلة من الفشل والاحباط والتلكوء والاخفاق، يوجدها او يعززها، بقاء نفس اليات وسياقات المحاصصة السابقة في تشكيل الحكومة وتقاسم المواقع فيها، حتى وان كانت هوية بعض اعضاء الحكومة او اغلبهم من غير المنتمين للاحزاب والقوى المشاركة. وكذلك حجم الملفات والقضايا الشائكة والمعقدة المتعلقة بالفساد والخدمات والامن، التي وجدها او سيجدها السوداني مكدسة امامه على الطاولة في مقابل السقوف الزمنية القصيرة. ناهيك عن تقاطع وتضارب ارادات ومصالح الاطراف الداخلية المختلفة، وعدم استعداد الكثير من تلك الاطراف التنازل عن تلك المصالح، وان كان ذلك يصب في الصالح العام، ويسهل تنفيذ البرنامج الوزاري الموعود، هذا دون اهمال الاجندات والاشتراطات الخارجية، وخصوصا الاميركية، التي راحت تطرح وتتسرب من هنا وهناك عبر مقالات ودراسات وتقارير لبعض مراكز الابحاث القريبة من دوائر القرار العليا في واشنطن، مثل معهد واشنطن لسياسات الشرق الادنى وغيره.
يخطأ من يتصور ان كل الاطراف الداخلية والخارجية، تتمنى فعلا نجاح السوداني في مهمته الثقيلة، ويخطأ من يتصور ان اجواء ومناخات وارضيات الدعم والاسناد والتأييد الكبيرة والواسعة، ستبقى على حالها ولا تنقلب الى انتقادات وحملات تسقيط وتشهير وضغوطات وعراقيل، وربما من الاصدقاء والحلفاء قبل الخصوم والاعداء.
يمكن ان ينجح السوداني وفريقه الوزاري والاستشاري في استثمار الفرصة او الفرص المتاحة، وفك بعض العقد المستعصية، وحلحلة الازمات الخانقة. بيد انه في ظل ظروف واوضاع كالتي يعيشها العراق، وبتراكماتها السابقة وبتحدياتها القادمة، يتطلب الامر تكاتف وتعاضد الجميع، وتشخيص وتخطيط دقيق، وصبر جميل في انتظار النتائج المرجوة، وتجنب رفع سقف التوقعات المتفاءلة، وفهم وتفهم كاف لحقائق ومعطيات الواقع، وبخلاف ذلك ستتكرر ذات السلبيات والاخطاء، وتتفاقم المشاكل والازمات، وتنتهي الامور مجددا الى الجمود والانسداد.


عن الكاتب

عادل الجبوري

اترك رد إلغاء الرد

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.