مقالات

خطوات شبابية تجاه الحضارة الإسلامية ح10//الخطوة العاشرة: علاقة الاسلام بالسياسة


طالب رحمة الساعدي ||

لم تكن ثمة إشكالية فكرية في الحضارة الإسلامية حول مفهوم العلاقة بين الدين والسياسة، منذ مجيء الإسلام وحتى منتصف القرن التاسع عشر الميلادي، حيث نشأت فكرة العلمانية التي تعني فصل الدين عن الدولة (ولو قيل فصل الدين عن الحياة لكان أصوب)، ثم تنامت تلك الفكرة في العالم الإسلامي مع أوائل القرن العشرين. والحقيقة أن تلك الإشكالية الفكرية كانت معبرة عن هموم الواقع الغربي الذي نقلت منه، وليس هموم الواقع الإسلامي الذي نقلت إليه.
وتعمد الاساءة أو التضليل عن الحقيقة اتخذ عدّة وجوه :
أولاً – من خلال المماثلة بين الاسلام و علمائه والمسيحية و رجال الكنيسة في القرون الوسطى. وهذه المماثلة بعيدة كل البعد و يستحيل تطبيقها على الاسلام أو اثباتها له. لأن واقع فصل الدين عن السياسة في اوربا بل وعن بقية النشاطات الاجتماعية الأخرى جاء كما هو معروف وكما ذكر معظم المفكرين في اوربا نتيجة ردة فعل على ما كان يصدر عن رجال الكنيسة من تصرفات وعلى تحالفهم مع الملوك والافراد أنذاك انعكس سلباً على بقية أفراد المجتمع و وصل الأمر ذروته باصدارهم ما يعرف بصكوك الغفران مما أدى الى التمرد على الكنيسة و رجالها و تحجيم دورهم و جعل الدين في واد وكل ما يتعلق بشؤون الناس في كافة المجالات في واد آخر و ياليت الأمر وقف عند هذا الحد من التفريط بل حدث ما هو أكثر تفريطاً تمثل في إنكار الدين جملة و تفصيلاً عند فئة منهم وما المقولة المشهورة عن ماركس اليهودي: «الدين أفيون الشعوب» إلاّ تعبيراً عن وجه من أوجه ردة الفعل المفرطة تلك. تكوّن نتيجة لذلك انطباع كامل لدى أفراد المجتمع مفاده أن رجال الدين «وهو تعبير قاصر عليهم» لا يفقهون شيئاً من أمور الدنيا ولا ينبغي بل ولا يصلح لأي منهم اسناد أية مهمة في أي مجال من مجالات الحياة العامة خارج اطار الكنيسة. و مرد ذلك أن الشرائع السماوية التي سبقت الاسلام ربما لم تكن بنظر اتباعها تعني بشؤون الدنيا، و جل عنايتها كانت مجرد نصائح ساعد على ذلك عدم وضوح دراسة كافية عن النظم السياسية أو عن موقع السياسية في صلب هذه الشرائع. ولا أرى الخلل بهذه الشرائع بقدر ما هو في أتباعها لأنها شرائع سماوية منزهة عن كل شبهة شأنها في ذلك شأن الشريعة الاسلامية السمحاء. بينما الرؤيا تختلف الى الاسلام فهو في الواقع دين و دولة، و من ينظر في كتاب الله و سنّة رسوله o يجد بأن الحديث جاء عن الله و ملائكته والانبياء والجنة والنار وكل أنواع العبادات كذلك يجد بأن الحديث جاء بأكثر من آية وحديث عن شؤون الدنيا وعن القوانين والنظم التي ينبغي على المسلمين الالتزام بها. فمثال ما ورد في القرآن الكريم قول تعالى: (و أحلّ الله البيع و حرّم الربا). وقوله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا إذا تداينتم بدين إلى أجل مسمى فاكتبوه و ليكتب بينكم كاتب بالعدل). وهذا غيض من فيض يؤكد على عدم اقتصار تنظيم العلاقة بين الانسان و ربه فحسب، و لو كان الأمر كما يدعون لكان من الممكن ترك شؤون هذا الدين كله لله تعالى يراقبها ولا علاقة للانسان به، ولكن على العكس من ذلك نجد في الاسلام جانباً كبيراً ينظم علاقة الانسان بالانسان، ويرتب سبل العيش في مختلف شؤون الحياة. اضافة الى ذلك لم يكن الاسلام في يوم من الأيام حكراً لأحد أو على أحد ولا لفئة على حساب أخرى بل هو دين كل متبع له مؤمن بتعالميه، دون امتيازات ولا خصوصيات ودون تفريق بين الاجناس والعروق، وبين الالوان واللغات. قال الله تعالى : (يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى و جعلناكم شعوباً و قبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله أتقاكم). ولم يكن الاسلام بما يتضمنه من مقومات استمرارية و عوامل حفظ أن يكون في يوم من الايام موضع استغلال من قبل أي فرد، أو فئة، و إن وجد مثل ذلك عند البعض فانما يكون عند ضعاف النفوس الذين لا يفهمون الاسلام على حقيقته كذلك لم يوجد بين علماء المسلمين على مر العصور و حتى يومنا هذا من يدعي الاستئثار بوضع خاص له في هذاالدين أو الافضلية على الغير وان وجد ذلك في المجتمعات الاسلامية فهؤلاء لا يشكلون حتى ولا أعشار علماء في هذا الدين. لان علماءه و مفكريه قد شهد الله لهم بالمكانة الرفيعة بهم من خلال قوله تعالى: (شهد الله أنـه لا إله إلاّ هـو والملائكـة و أولوا العلـم قائماً بالقسط لا إله إلاّ هو العزيز الحكيم ).
ثانياً : عن طريق الافتراء على هذا الدين بقولهم ان الاسلام كغيره من الاديان ما هو إلاّ سلسلة فكرية بدايته كانت بالكهانة والتنجيم. ثم ترقت الى السحر ثم الى الادعاء بالنبوة التي امتصت كثيراً من التقاليد فجعلت لها تلك القداسة الروحية. و لقد ألف المسلمون في صدر الاسلام مثل هذه الافتراءات من المشركين وغيرهم آنذاك وقد رد الله عليهم أي على المشركين بقوله عز وجل : (ولا تقولوا لما تصف السنتكم الكذب هذا حلال وهذا حرام لتفتروا على الله الكذب إن الذين يفترون على الله الكذب لا يفلحون). و غوغائية هؤلاء و أمثالهم لن تفيدهم في شيء مما يهدفون اليه وما على المسلمين إلاّ أن يسلكوا سبل الهداية التي أرشدهم الله اليها بقوله : (يا أيها الذين آمنوا عليكم أنفسكم لا يضركم من ضل إذا اهتديتم). وقال تعالى : (ربك هو أعلم بمن ضلّ عن سبيله وهو أعلم بالمهتدين).
ثالثاً – عن طريق فئة المقلدين، و هؤلاء ليسوا بأكثر من مجرد صدى لغيرهم بهرهم الغث من النهضة الاوروبية دون الاستفادة والافادة من سمين هذه النهضة في نواحي متعددة. وعلى المسلمين عدم الجري وراء هؤلاء. و القرآن الكريم حذر من مغبة السير على نهجهم بقوله مخاطباً سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم والخطاب من بعده لأمته : (ولئن اتبعت أهواءهم بعد الذي جاءك من العلم ما لك من الله من ولي ولا نصير). وقال أيضاً : (ولئن اتبعت أهواءهم من بعدما جاءك من العلم إنك إذاً لمن الظالمين). واتباع هؤلاء يترتب عليه فساد السموات والأرض قال تعالى: (ولو اتبع الحق أهواءهم لفسدت السموات والأرض ومن بينها).
والملاحظ ان اثارة هذه الشبهات بالاوجه الثلاثة السابقة تحكم بظروف زمنية و مكانية تختار بعناية وعن خبث…….
والذين يقولون بفصل الاسلام عن السياسة يتجاهلون مدلول كل منهما والعلاقة بينهما. و ادراك هذا المدلول و تلك العلاقة من خلال المعاني اللغوية والاصطلاحية لكل من الدين والسياسة.
فالدين كما ورد في كثير من التعاريف وضع الهي سائد لذوي العقول السليمة باختيارهم لما فيه صلاحهم في الحال و المال في الدنيا والآخرة و بشقيه التعبدي والتعاملي. و السياسة هي فن و اسلوب تربية وتعليم الانسان وعلم سلوك جماعي مرتبط ارتباطاً وثيقاً بالاخلاق، وهي كذلك طريقة رعاية شؤون الامة بالداخل والخارج وارشاد أفرادها الى طرق تدبر معاشهم على سنن من العدل والاستقامة بغية تكوين مجتمع متكامل. هذان التعريفان المجملان لكل من الدين والسياسة يبينان بوضوح ان العلاقة بينهما علاقة عموم وخصوص وعلاقة تداخل.
فالدين وضع الهي يتضمن الجانب التعبدي والجانب التعاملي. و بيان الجانب التعبدي هو المهمة الاولى لكل رسول. ونحن نعرف ان النبي”صلى الله عليه واله ” كان جهده بادئ البدء منصباً على تحقيق هذه المهمة في المرحلة الاولى من مراحل الدعوة الاسلامية. وهي مرحلة وجوده في مكة المكرمة.
وعندما هاجر الى المدينة بعد ابرام البيعتين المعروفتين ببيعتي العقبة الاولى والثانية. حيث أصبح للمسلمين حيّزاً مكانياً، و أصبح لهم شوكة، وضع مبادئ دستور الدولة الاسلامية مضمناً إيّاها كل ما يتعلق بالجانب التعاملي وكل ما يتعلق بشؤون المسلمين الخاصة والعامة الداخلية والخارجية في الصحيفة التي كتبها للمسلمين.
وفي مقدمة هذه الصحيفة وفي الفقرة الاولى منها يؤكد فيها النبي” صلى الله عليهواله” مبدأ وحدة المسلمين الذي ورد ذكره في القرآن الكريم بقوله تعالى: (إنّ هذه امتكم أمة واحدة وأنا ربكم فاعبدون). و بقوله تعالى : (إن هذه امتكم امة واحدة وأنا ربكم فاتقون). والنبي “صلى الله عليه واله ” يجسد هذه الوحدة و يؤكد عليها بقوله: «هذا كتاب من محمد النبي رسول الله بين المؤمنين والمسلمين من قريش وأهل يثرب ومن تبعهم فلحق بهم، وجاهد معهم، انهم أمة واحدة من دون الناس الى قوله عليه الصلاة والسلام: وان المؤمنين المتقين أيديهم على كل من بغى منهم أو ابتغى وسيعة ظلم (أي الدفع والعطية) أو اثماً أو عدواناً أو فساداً بين المؤمنين، وأن أيديهم عليه جميعاً ولو كان ولد أحدهم، وأن المؤمنين موالي بعضهم بعضاً دون الناس. ومع التأكيد على مبدأ وحدة المسلمين زماناً ومكاناً لم يتجاهل عليه الصلاة والسلام حق المواطنية لغير المسلمين بل أكد على هذه الناحية نصاً بقوله : «وأنه من تبعنا من يهود فان له النصر والاسوة غير مظلومين ولا متناصرين عليهم» ولكن ذلك مرتبط بمدى قيامهم بالواجبات المترتبة عليهم تجاه المسلمين و البلاد التي يقيمون فيها. فاختلاف الدين بمقتضى أحكام هذه المادة ليس سبباً للحرمان من مبدأ المواطنية كما هو الحال في كثير من دول العالم حاضراً و ماضياً. هذه الوحدة جعلت أحد المستشرقين الاوربيين يقول عنها: انها وحدة خطيرة، لأنها تحيط بأوربا احاطة محكمة تعزلها عن العالم، و يتابع قوله ان الاسلام قد انتشر انتشاراً سريعاً في فترة لا تتجاوز قرنين من الزمن. وقد كان من أبرز هذا الانتشار السريع الذي تكونت خلاله الحضارة الاسلامية انها نشأت حضارة موحدة. ولهذا لم يكن هناك فرصة لتأثير العناصر الاقليمية المختلفة والثقافية المتباينة عليها. ولم يكن الاسلام ديناً ساذجاً، ولكنه نشأ نظاماً كاملاً شاملاً للحياة. هذه الوحدة هي التي أرسى قواعدها الرسول عليه الصلاة والسلام وهي التي يتكلم عنها المستشرق «جب» والتي يحاول المستعمرون التماس الوسائل لتفتيتها ومن هذه الوسائل الصاق الشبهات بها بغية زعزعة ايمان أصحابها بها.
و نجد في الصحيفة اقراراً لمبدأ المساواة بين أفراد هذه الأمة حينما يقول عليه الصلاة والسلام: «ان ذمة الله واحدة وأن المسلمين يجير عليهم أدناهم وأن بعضهم موالي بعض دون الناس». دون اغفال لموضوع الأمن الداخلي حيث شدد بالاخذ على أيدي المجرمين، و إنزال العقوبات التي يستحقونها، و أنه لا يحل لمؤمن أقر بما في تلك الصحيفة وآمن بالله واليوم الآخر أن ينصر محدثاً أو يؤويه وأن من ينصره فإن عليه لعنة الله وغضبه يوم القيامة، ولا يؤخذ منه عدلا ولا صفح (أي لا يؤخذ منه فداء ولا تقبل منه توبة). وفي احدى فقرات الصحيفة يُقر الرسول “صلى الله عليه واله ” مبدأ العقوبات الفردية بصيغتين يندر مثيلهما في عالم اليوم.
الاولى: شخصية العقوبة، أي حصر العقوبة في شخص من ارتكب الجرم دون أن يتعدى ذلك الى أحد غيره بقوله ولا يأثم امرؤ لحليفة. و أين هذه القاعدة مما يطبق تحت مظلية ما أصبح يعرف النظام العالمي الجديد حيث تفرض العقوبات الجماعية على شعوب بأكملها فيموت الآلاف بل الملايين جوعاً و مرضاً و أين ما يطبق من قوانين و ضيعة من قوله تعالى: (ولا تزر وازرة وزر أخرى وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا). وقوله تعالى : (يا أيها الذين آمنوا كونوا قوامين لله شهداء بالقسط ولا يجرمنكم شنئان قوم على ألا تعدلوا اعدلوا هو أقرب للتقوى و اتقوا الله ان الله خبير بما تعملون). هذا بعض ما يتعلق بالجوانب السياسية الداخلية.
ولم يغفل النبي “صلى الله عليه واله ” الخطوط العريضة لما ينبغي أن تكون عليها السياسة الخارجية سواء في مجال الدفاع عن البلاد والعباد أو في مجال التعامل مع الآخرين أو في مجال المعاهدات والمواثيق.
ففي مجال الدفاع عن البلاد عمقت مفهوم الجهاد الذي حث عليه الله سبحانه تعالى بقوله : (انفروا خفاقاً و ثقـالاً و جاهدوا بأموالكـم و أنفسكم في سبيل الله ذلكم خير لكم ان كنتم تعلمون) . لقد ذكرت الآية الجهاد بالمال مقدماً على الجهاد بالنفس مع العلم أن الجهاد بالنفس أسمى ما يجود به المرء، وتقدم الجهاد بالمال لا لكونه مقدم من حيث الاعتبار على الجهاد بالنفس ولكنه من حيث الواقع يعتبر المقدمة للجهاد بالنفس وهي مرحلة يتم فيها إعداد الجند و تهيئة الجيش و تأمين كل مستلزماته من طعام و كساء و سلاح. لأنه من غير الممكن ولا من المعقول أن يرسل الجندي الى المعركة دون أن تهيأ له السبل المادية لتكون جنباً الى جنب مع النواحي المعنوية كلها مجتمعة تكون عوامل النصر بعد الاعتماد على الله والتوكل عليه ولعل ما بلغت النظر في الصحيفة النبوية والذي يدور الحديث قوله في وقتنا الحاضر بين مؤيد و معارض موضوع ابرام الصلح مع الآخرين فقد نصت الصحيفة على منع الصلح المنفرد بقوله صلى الله عليه “واله”وسلم: «ان سلم المؤمنين واحدة لا يسالم مؤمن دون مؤمن في قتال في سبيل الله إلاّ على سواء وعدل بينهم» بهدف المحافظة على وحدة الأمة هذه الوحدة التي نوه عنها في المادة الأولى من الصحيفة. ولا مانع من اجراء الصلح مع الآخرين ولكن صلحاً يحفظ للمسلمين حقوقهم المعنوية والمادية و بغير ذلك لا يجوز بأي شكل من الأشكال وتحت أي ظروف من الظروف وذلك من خلال قوله : وإذا دعو الى صلح يصالحونه و يلبونه أي يشركون به فانهم يصالحونه و يلبونه و أنهم إذا دعوا الى مثل ذلك فانه لهم ما على المؤمنين إلاّ من حارب في الدين. وما تذرع البعض من المسلمين بصلح الحديبية الذي عقده الرسول ” صلى الله عليه واله ” مع قريش فهو من دلائل نبوته وليس نوعاً من أنواع السياسة لأن النبي كان مع أصحابه في وضع لم يكن بحاجة إلى مثل هذا الصلح.
تلك هي الأسس الموجزة والخطوط العريضة في مجال السياستين الداخلية والخارجية. ومن خلال هذه الخطوط العريضة يستطيع المرء أن يستخلص وجهاً آخر من أوجه العلاقة بين الدين والسياسة وهو وجوب أن يوجد رائد للأمة يتمتع بكامل الصفات التي تؤهله لقيادتها و رعاية شؤونها ويكون مسؤولاً عن تنفيذ أحكام الدين التعبدية والتعاملية ….
وأي تعطيل لأي وجه من وجود الشريعة أو إهمال منهج من مناهجها هو خروج عن الدين وقد أنحى الله تعالى باللائمة على من يسلك مسلك الفصل بين مناهج هذا الدين بقوله عز وجل : (أفتؤمنون ببعض الكتاب و تكفرون ببعض فما جزاء من يفعل ذلك منكم إلاّ خزي في الحياة الدنيا ويوم القيامة يردون إلى أشد العذاب). ….


عن الكاتب

الشيخ طالب رحمة الساعدي

اترك رد إلغاء الرد

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.