مقالات

مشروع السوداني..بين ألغام التوازنات واحتضان الشعب


حافظ ال بشارة ||

من المتوقع ان يمضي رئيس الوزراء محمد شياع السوداني ببرنامجه التنفيذي الحالي ، الذي يمهد لتحول جذري في العملية السياسية ، ويبدو ان المهم في هذا التحول السياسي والاداري ليس الشروع به بل المهم الاستمرار والوصول الى ذروة النجاح ، وهنا تكمن الصعوبات المتشعبة ، فالسوداني لا يواجه عمليات فساد عادية بل يواجه شبكات معقدة اذا توغل فيها ستظهر معالم دولة المافيات التي تحكم البلد ولها اذرعها الداخلية والخارجية.
هذا العمل الواسع والمعقد لا يمكن القيام به من قبل شخص واحد وان كانت له زعامة ورمزية وارادة وشجاعة ، بل لابد له من تشكيل فريقه المتخصص الموحد والمصر على انجاز مهمته ، فالعمل هنا عمل فريق كبير يتوسع باستمرار كما ونوعا ويستقطب كل النزهاء والمخلصين والمهنيين ويضمهم الى دائرته ثم يتحول الى تيار جماهيري مؤيد ، مدعوم بمنظومة اعلامية رصينة وذات خطاب اصلاحي متميز ، وفي كل خطوة يوفر هذا الفريق مزيدا من عناصر الحماية والتحصين لنفسه ولبرنامجه.
ويفترض ان يتكون فريق السوداني من الوزراء والوكلاء والمدراء والضباط والمستشارين والمؤسسة الاعلامية والمؤسسة الثقافية ، مع دعم مطلق من قبل القضاء العراقي ، ومجلس النواب.
ولا يمكن لبرنامج بهذا الحجم وهذه الاهداف ان يواصل هجومه المطلق دون ان يتوقف عند نقاط توازن محددة لكي لا يدوس على اللغم المتوقع فيجهض ما انجزه ، ويمكن تشخيص اماكن التوازن والتأني في الحالات الآتية :
1- نقطة توازن مع التيار الصدري فلا يذهب لاثارته ، ويتأنى في معالجة البؤر التي تفجر ازمة معه ويكتفي ابتداء بمعالجات تتم في محيط البؤر المستهدفة المحسوبة عليه وليس في مركزها.
2- نقطة توازن مع قوى الاطار بتأجيل اقتحام البؤر المحسوبة على بعض اطرافه ، وعدم استعداءه وجعله يشعر بتحد وجودي خطير .
3- نقطة توازن مع اقليم كردستان ، والتفاهم حول نقاط الخلاف التي يبدي فيها الاقليم مرونة ثم التدرج نحو النقاط الاكثر حساسية.
4- نقطة توازن مع الاحتلال والسفارات الاجنبية ، وعدم تحريك الملفات المثيرة وتأجيلها والانشغال بملفات تعتبر موضع اتفاق مع تلك القوى.
5- نقطة التوازن في العلاقات الدولية والاقليمية ، فليس ضروريا ان يندفع السوداني بقوة باتجاه الصين او روسيا ، وليس ضروريا ان ينتقد الدور الخليجي الوهابي المدمر في العراق ، وليقدم الملفات الاكثر اولوية.
نقاط التوازن الخمس يجب مراعاتها ، ويمكن الاستثمار الامثل للقناعات الامريكية الجديدة بأن الوضع في العراق يجب ان يتغير ، ونجاح السوداني اصبح مطلوبا عالميا فيجب ان يكون وضع العراق هادئا منضبطا بعيدا عن الفوضى لضمان تدفق النفط لمواجهة ازمة الطاقة بسبب الحرب الروسية الاوكرانية ، اضافة الى ان اميركا تعاني من سقوط سمعتها بسبب ممارساتها في العراق الذي حولته الى دولة مكونات وليس دولة مواطنة ودولة مافيات وليس دولة مؤسسات ودولة عصابات وليس دولة قانون ، وبدأت المعسكر الروسي الصيني في اعلامه يقدم ما يجري في العراق وسورية واليمن على انه نموذج لتخريب البلدان الممنهج من قبل اميركا وحلفاءها ، وبعد كل حالات الفوضى التي جرت في العراق والتي وصلت الى حد الاقتتال داخل المنطقة الخضراء اخذ الشعب العراقي يتهم السفارات الاجنبية بأنها تقف خلف هذه الفوضى.
نقطة الانطلاق في برنامج الكاظمي هي محاربة الفساد ، والخطوة الاولى هي وقف نزيف الاموال التي تذهب الى جيوب الفاسدين ، فالتوقف التام لسرقة المال العام يعد منجزا كبيرا ، والقوى التي كانت تمتص اموال الدولة سوف تتحمل هذا التغيير وتنشغل بما لديها من ثروات ، وتسكت خوفا من انتقال المواجهة الى مرحلة اخطر ، خاصة وان الاطراف المستفيدة تدرك ان الدعم الاجنبي للمافيات المحلية قد تراجع وتغيرت المعادلة في البلاد.
اما نقطة الانطلاق الثانية للسوداني فهي مواجهة الفقر والبطالة وتقديم الخدمات ، وهي النقطة التي تضمن للسوداني الارتباط بالشعب العراقي واعادة الثقة بين الشعب والنظام واحراز مساندة الشعب لحكومته ، والتي تعد مساندة للاطار التنسيقي وتجديد الثقة به ، وعندما تصبح حياة الملايين من الناس ورفاههم مرتبطا بهذه الحكومة ، ويشعر الجمهور ان هناك تغييرا حقيقيا قد حصل فسوف تنتقل مهمة حماية الحكومة والنظام الى الشارع ، وهذا ايضا يعد تحولا مهما في علاقة النظام مع الشعب ، ببساطة سوف يشعر الناس من كل الشرائح ان هذه الحكومة الاصلاحية ، تقوم باستعادة اللقمة من افواه الفاسدين والقاءها في افواه الشعب .
هناك جدل حول عمر هذه الحكومة وهل تستطيع في سنة ونصف على الاكثر ان تحقق شيئا ، ويبدو ان حفاظ السوداني على نقاط التوازن الخمس ، وعدم اصطدامه بألغام خطيرة يمكن ان يغير امورا كثيرة ومنها قضية عمر الحكومة ووضعها الدستوري وهل ستجري انتخابات مبكرة بالفعل ام لا كل ذلك رهين بالظروف المقبلة وكل هذه النقاط يمكن التفاهم حولها لتوفير وضع ملائم للانطلاق الى مراحل اصلاحية اكثر قوة وثباتا.


ـــــــــــــ

عن الكاتب

حافظ آل بشارة

كاتب عراقي مخضرم وباحث بالشأن السياسي

اترك رد إلغاء الرد

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.