مقالات

البداية كانت.. بيان صادر من “المديرية العامة للتعبئة والاحصاء”!!


عادل الموسوي ||

عاد الاسير الى الوطن، توافد على بيته الجيران والاقرباء، كان لابد ان يعيد قصة الاسر كلّما دخل فوج من المهنئين بسلامة العودة، إلا انه لابد للذة سرد المعاناة والماساة ان تنتهي، وخصوصا عند تداخل الأسئلة الدقيقة وطلب الاجابات التفصيلية، كانت الأسئلة مزعجة وبلهاء، قاربت الساعة منتصف الليل، كان “الهول والاستقبال” قد غصَّ بالضيوف.. بدأت اعدادهم تقل تدريجيا، لم يبقَ إلا اثنان او ثلاث، “يا الله”، آثار الاعياء -على الأسير بدت واضحة، لكن “لا احساس”، تبددت الرغبة بالتزود من العيال الى الرغبة بالنوم والفكاك من أسر الضيوف.
لم يكد ان يخرج الضيف الاخير حتى “سيّر” الجار “ابو جاسم”.. سحب الوسادة واثناها.. اتكأ وارخى الخيط لحبات المسبحة وهي تتساقط تباعا بين اصابعه الغليظة.. كان صوت “چقات الخرز الكبيرة” مقدمة لسؤال كبير.. كان ابو جاسم قد انهى “التعلولة” في مكان آخر وأراد ادراك “تعلولة” جديدة عند الأسير “المگرود”.. أخرج عودا “ونبش” بقايا الطعام من بين أسنانه، استرخى وقال: “اي بويه شنهي ما شنهي؟ شلون تأسرت؟.. اريدك تسولفلي من اول ما صعدت من النهضة..”.
“گراج النهضة” ومثله “العلاوي” شهدا آلافا من قصص الالتحاق الى جبهات الموت واقل منها من قصص العودة بـ”نموذج” الاجازة الاعتيادية، الا انهما لم يشهدا قصص العودة بالتابوت الملفوف بالعلم ذي النجمات الثلاث، فالنعوش تسلك طريقها الى بيوتها مباشرة ثم تعرّج الى النجف..
وربما كانت تلك الجثامين محظوظة اذ اوت الى مثواها.. فلم تزل اللجان المشتركة بين البلدين تتبادل رفات الكثيرين ممن قضوا على الحدود التي كانت ملتهبة..
في هذا المستهل لن اروي قصة، بل سأفتح نافذة لذاكرة الاربعينيين والخمسينيين والستينيين.. ليتذكر من عاش تلك الأيام العصيبة، الاف القصص التي تبدأ من التلكوء في الدراسة او التخرج منها لتبدا الرحلة من مراجعة التجنيد واستلام كتاب السوق والتوجه الى ساحة “العرضات” ثم إلى ساحة الموت، ومن فر منهما فهناك ساحة الاعدام بالرصاص المضمون الثمن..
“زيان اللحية، وتلميع البسطال، زيان الصفر واسبوع الضبط، الانضباط والحارثية، المختار والرفاق.. العرضات والرياضة الصباحية.. وكلمات وعبارات كانت من بديهيات العسكرية و”ادبياتها”، وكان لابد من الرضوخ لسماعها من الضباط والعرفاء دون احساس بالإهانة.. باعتبار انها تشمل الجميع.. كان منها الكلمة التاريخية المعهودة “قشمر” وجمع التكسير لها “قشامر”..
قيل: انها تعني الغبي، قليل الفهم، من يسهل خداعه، “الاثول”..
اظن انه لو اجري استطلاع للرأي حول موضوع الخدمة الالزامية، ستكون نسبة المؤيدين هي الاعلى والوجه -المدعى- في ذلك: ان العسكرية تصنع الرجال، تروض على الانضباط، تشد العظم وتمنع الميوعة، تقلل من نسبة البطالة، تساعد على رفع المستوى الدراسي.. وتبريرات اخرى ربما تكون منطقية، وهو الصحيح والمفترض ان يكون لولا الواقع المخالف، فالطاعة المقترنة بالاحترام تختلف عن الانقياد المقترن بالاهانة والاذلال من ذوي عقد التسلط والقهر..
قد يكون بين المؤيدين من تعايش مع تلك الكلمات القاسية.. ربما “ما نترست اذانه منها زين”.. وربما كان يريد الانتقام من الاجيال الحديثة لانها افلتت من “الخدمة” ولم تقاسي ما قاساه، وتعاني ما عاناه.. وربما كان لبعض المؤيدين وجهات نظر محترمة.. الا ان العبرة تكمن في المنطلق الذي يستند اليه المؤيد والمندد، والاهداف والنوايا التي تختفي خلف مشروع الخدمة الالزامية الذي ينوي مجلس النواب تشريعه..
تلك مقدمة قد تكون طويلة لعرض قد يكون قصيرا، الهدف من طرحه الخشية من ان نكون لازلنا “قشامر”، “تسرحت” ابداننا ولم “تتسرح” افكارنا من معسكرات “التدجين” ولم تغادر “باب نظامها”.. ولا زالت اسيرة لنمط تفكير تلك الحقبة!!
ذلك النمط الذي عبر عنه وزير الدفاع بـ”احنا جيش ما نمشي بطلبات المستمعين.. احنا جيش ما عدنا ديمقراطية.. احنا عدنا طاعة عمياء.. اني اخططلك واسوقك وتستشهد وانت الممنون..”
فـ”السَوْق” هو المفصل الرئيس في الادبيات العسكرية، والذي لايشمل المراتب بل يتعداه الى الضباط والاركان والقيادات الدنيا، فالمؤسسة اسيرة “مُساقة” لسياسات الحكومة المحكومة بسياسات الحزب وايدلوجياته وشخص الرئيس ومزاجه التهوري، وتاثير الاملاءات على اختلاف منطلقاتها..
لن نناقش خطأ او صواب حل الجيش بعد الاجتياح الأمريكي.. ولن نناقش التواني عن اعادة تشكيله.. فالقرار لا زال متاثرا باملاءاته..
البحث يدور حول تلك الاملاءات او المنطلقات او الدواعي التي اخرجت المشروع الى ساحة التشريع تمهيدا لتنفيذه..
انا مع قانون الخدمة الذي يشرع لتشكيل قوة عسكرية مهنية على مستوى عال من التدريب، ذات قدرة وكفاءة وخبرة باستخدام الاسلحة الحديثة والتكنولوجيا المتطورة لحماية البلد، مسلحة بعقيدة وطنية..
لكن “حاچيني” عن الواقع وإمكانية التنفيذ، والميزانية الكافية، والبنى التحتية اللازمة.. عن فرض القانون وإمكانية تطبيقه!! عن الجدوى مثلا!!
روي ان احدا -ممن كان بيده زمام السلطة- عاد عبد الله بن مسعود في مرضه الذي مات فيه، ودار بينهما حديث، وكان من بعض ما جاء فيه:
قال: أفلا آمر لك بعطائك؟
قال بن مسعود: “منعتنيه وأنا محتاج إليه وتعطينيه وأنا مستغن عنه”!
كنا بحاجته يوم اجتاحت العصابات التكفيرية مناطق واسعة من مدن العراق واطلت على مشارف العاصمة..
ان كان داعي التشريع هو الشعور بالمسؤولية فردة الفعل قد جاءت متاخرة جدا..
من اساليب الترغيب -بحسب تصريحات المسؤولين- ان يكون راتب الجندي ٦٠٠ – ٧٠٠ الف دينار..
لا ادري كم سيكون عدد المشمولين بقانون الخدمة، لكن بالطبع سيكون كبيرا، سيضاف الى عدد الموظفين المدنيين الذين كانت رواتبهم غصة ومصدر عدم ارتياح لدى احد وزراء المالية السابقين، اذ عبر عن ذلك -حينها- بانه يشعر بوخزة في القلب عند التوقيع على صرف الرواتب!!
نتمنى ان يكون لجحافل البطالين مصدر اعاشة..
نتمنى ان تخلو المقاهي والشوارع والاسواق من المتسكعين..
لكن.. كيف ستؤمن كل تلك الرواتب؟!
فهي ستشمل اجيالا متلاحقة من المتواجدين في الخدمة!!
قيل: ان المؤشرات لا تدل على نوايا صالحة..
وقيل: ان الداع للتشريع “ربما” يكون تحييدا لدور الحشد او تمهيدا لذلك..
وقيل: ربما يكون تمهيدا لإعداد جيش لاعادة مواجهة الجوار..
وقيل: لا يعدو كون الامر صفقة لباب كبير من الفساد وتبديد الاموال..
كل ما قيل قد يكون نابعا من سوء الظن وكثرة الشك في القوى السياسية الممسكة بزمام السلطة، لما يشهده الواقع من امكانية الرضوخ لاملاءات إقليمية ودولية..
لا اريد التحدث بمثاليات “الي يحچي تسعة بالشهر”، واقول ان كانت المالية قادرة على تامين رواتب الجيش بدفع ٦٠٠ – ٧٠٠ الف لكل جندي، فلِمَ لا تفتح باب التعيينات للعاطلين ليخدموا الدولة خدمة مدنية.. ربما سيقنعون باقل من هذا المرتب!! لكن ربما يكون هذا الكلام “مايصرّف”..
لكن لنفرض “بالچذب”
ان البلد بحاجة الى قوة عسكرية قوامها ٥٠٠ الف جندي -مثلا- وأعلنت “مديرية التعبئة والإحصاء” في بيان لها عن سحب المواليد المشمولة بالخدمة..
عرضا -اظن اننا بحاجة مثل هذه الزوبعة العنيفة، فمنذ زمن لم نسمع البيانات التي تقلب الحياة العامة راسا على عقب “وتخلي راس يطگ براس..”
هل يمكن فتح باب التطوع لمثل هذا العدد من المتطوعين بصيغة عقد لمدة الخدمة؟ {وَكَفَى اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتَالَ ۚ }..
مجرد سؤال استفهامي..


ـــــــــــ

عن الكاتب

عادل الموسوي

اترك رد إلغاء الرد

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.