مقالات

التاريخ وفكر المفردة؛ بين المرويات والمنهجيات


علي عنبر السعدي ||

“سلكت طريقا غير مطروق – فأحدث ذلك فرقاً ” روبرت فروست .
– هل التاريخ ذاكرة أرشيفية ،أم قاعدة بيانات فكرية ؟
– التاريخ هو حديث النهايات التي لانهاية فيها .
– لماذا بعثروا سومر بين المعاني ، ولم يقولوا انها السمراء ؟
التاريخ عالم مذهل ، ليس في ما أورده ودّونه وحسب ، بل في تلك الزوايا الضيقة والمخفية ، التي غالباً لاتلفت الانتباه او تم تجاهلها او أخفاءها .
المفردة التاريخية ،تقف خلفها مدن وحضارات ومجتمعات وأساطير وعادات وتقاليد ومعتقدات وفلسفات ، أنها “مفتاح الدخول ” الضائع بين أكوام من مفاتيح رميت بين الركام التاريخي ، أو رصفت على عجل في بناء معوّج.
مفردات أقيمت عليها أيديولوجيات ،وانبثقت عنصريات وخيضت حروب ودمرت مدن وازهقت أرواح ، لأنها ألبست قسرا ثوبا “تاريخياً ” ليس لها.
– مثلاً كلمة (سومر- شومار*) التي فسرت بأتها تعني سيد القصب او المستوطن وانتقلت الى العبرية (شنعار) ونسبها بعض الباحثين الى سوبار ( القبائل الشمالية ) التأمل فيها وطبقا لتلك البيئة بشمسها الساطعة وحرارتها المرتفعة – خاصة في فصل الصيف – ما يترك تأثيره على لون البشرة فتصبح سمراء ، ولأن السومريين كما وصفو بأنهم سود الشعر سمر البشرة ،فأن (شومار) تعني اسمر أو سمار وهي الكلمة ذاتها التي انتقلت الى لغات اخرى لوصف فصل الصيف سمر(summer) .
العرب أطلقوا على العراق (أرض السواد) لخصوبة أرضها ولون طينها البني القاتم ، وهي الأقرب للمعنى الأصلي (سومار)
المؤرخون في بحثهم عن أصل السومريين ومكان قدومهم، تصور بعضهم بأنهم جاءوا بمجموعات من الجبال أو من الجزيرة أو الاحتمالين معاً ، ويفترضون مسبقا موضوع الهجرات الجماعية ، متجاهلين احتمال ان السومريين نشأوا في هذه البيئة وتطوروا عبر الاف السنين.
اثبتت المكتشفات ان الانسان الأول نشأ وتجمّع في الاماكن الدافئة حيث الصيد ، لذا ظهرت الحضارة في السهول ، خاصة بعد اكتشاف (الزراعة والنار) فالنار نتجت بفعل احتراق الأوراق الجافة نتيجة الحرارة المختزنة من الشمس القوية ،والزراعة انتجتها ارض خصبة من الطين والماء ، ما لا يمكن ان يتوفرا في جبال مغطاة بالجليد والرياح الباردة والشمس المحجوبة بالغيوم أو الضباب .
جميع الحضارات نشأت وتطورت في السهول ، والإمبراطوريات الكبرى سيطرت على السهول والأراضي الخصبة ، وجميع الدول المتطورة ، هي التي تمتلك سهولاً ، مثل أمريكا وبريطانيا وروسيا والصين وسواها .
وبحسب المرويات الدينية – آدم وحواء انزلا على سهول ، ونوح بنى سفينته في السهول ، ولم يستطع الجبل انقاذ ابنه العاصي ،فيما منح اكبر اولاده والاثير لديه سام الاراضي السهلية والهضاب ، ومن نسله جاء الانبياء وجميعهم تنقّلوا بين السهول : ابراهيم هاجر من سهول العراق الى سهول الشام ومصر ، ثم عاد الى السهول ، وموسى جاء من سهل عابراً الى سهل ، وسليمان الحكيم أقام مملكته على سهل واتصل بملكة تحكم سهولاً، والنبي عيسى بدأ دعوته في السهول والهضاب ويونس ابتلعته حوتاً وهكذا- كما جاء في المرويات الدينية وشاعت ضمنها .
الاعتراف بأن سومر تعني (السمراء ) سيضرب نظريات تزعم بقدوم السومريين من الجبال أو الصحارى ،وستنزع عن المرويات التوارتية قدسيتها وتكشف اقتباسها ، كما تظهر النوازع الطائفية أو العنصرية أو القومية ، التي عليها البقاء مستنفرة كي لاتتحول الحقيقة الى امتياز يختص بأناس طالما كانوا موضع اتهام وامتهان .
(*)فسرت (شنعار) الواردة في التوراة بأنها تعني (نهرين ) من شن (اثنين )ونار (نهر) – لكن نهر بالسومرية (ري – مجرى ( وفي الأكدية (ريئمو – مجرى الماء ) ومنها اشتقت (ري) السقي .
أما (ميزوبوتاميا )الأغريقية (بين النهرين )فقد اطلقت على العراق كله وليس سومر وحدها .
– أكادي – تعني اغا- مالك الأرض الزراعية – السقاء – والياء للعائدية .
– أرام – الهضاب ،وارام المرتفع .
– آمور – أطلق على الأقوام القادمة من الهضبات ،وربما كانت اشارة لطول القامة ، والبشرة الفاتحة ،قياساً بالسومريين .


ــــــــــــــــــــ

عن الكاتب

علي عنبر السعدي

اترك رد إلغاء الرد

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.