مقالات

الدولة العميقة الخيرة..


حسن كريم الراصد ||

نعم. فمثل ما أن هنالك دولة عميقة شريرة تزرعها القوى السياسية في مفاصل الدولة للاستحواذ على الثروات والهيمنة على مصادر القرار والانفراد بالحكم والسلطة فأن هنالك دولة عميقة خيرة تقوم بزرع ادواتها في تلك المفاصل ولكن ليس للغايات الشريرة التي ذكرت بل لغرض صيانة الدولة وحمايتها من استهتار القوى الغير مؤمنة بالديمقراطية ان وصلت لدفة الحكم كما حدث في كثير من الديمقراطيات والتجارب.
فهتلر وصل للحكم باليات الديمقراطية وكذلك ترامب. والدول العميقة التي أنشأت في العراق مرت بمراحل وبنتها عدة قوى وجميعها فشلت ولم تتمكن من إنجاز غاياتها والهيمنة على مصادر القرار لمصلحة بقاؤها في السلطة بعد ان أخطأت في حساباتها رغم أنها تمكنت من الاستيلاء على الثروات واستنزاف المقدرات. فالمالكي هو أول من أنشأ دولة عميقة زرعها في مفاصل مهمة وكادت ان تكون أبدية لولا اعتمادها على أدوات غير نزيهة وأساليب شراء غير صحيحة.
فالدعوة كحزب لم يكن لها دور في تلك الدولة بعد ان استبعد المالكي قادتها ورموزها وخلق جيلا جديدا طموحا لم يصمد أمام الدول العميقة الأخرى لافتقادها للمقومات والغايات الصحيحة. فالمالكي استخدم اسلوب الترغيب والترهيب في زرع رجال دولته واختار من تحوم حولهم الشبهات وعليهم ملفات اما قديمة في عهد الدكتاتورية او حديثة في زمن الديمقراطية. واختارهم دون غيرهم بعد التلويح بملفاتهم فرضخوا له مع وضع تلك الملفات تحت اليد. فليس غريبا ولا سرا ان قلنا ان محام مدان باحكام قطع صيوان الأذن للهاربين من حرب الثمان سنوات تم استدراجه واستخدامه كبوق للسلطة. وغير ذلك الكثير من الفاسدين الذين وضعت ملفاتهم تحت اليد شريطة الانصياع والدعم وعدم الاعتراض ولو كان اعتمد على قيادات نزيهة وبادوات نزيهة لطال عمر دولته رغم ان الاطاحة بدولته كان على يد المرجعية التي دعمته في الدورة الأولى وتخلت عنه في الثانية بعدما تكشفت أوراق الفساد التي نخرت جسد الدولة.
لكن ورغم الاطاحة بتلك الدولة الا انها بقيت تتمسك ببعض المفاصل البسيطة المؤثرة. أما العبادي فلم يكن يؤمن بأنشاء دولة عميقة بل كان يعتقد ان البقاء في السلطة يتحقق من خلال الدعم الخارجي والاعتماد على القوى العظمى فركن لواشنطن ولندن وفشل في تحقيق ذلك بعدما لم يتمكن من هدم اركان دولة سلفه العميقة وتاثيراتها السلبية ولم يتمكن من ضرب اركان تلك الدولة بيد من حديد فتخلى عنه سيد الزقاق القديم وغادر غير مأسوف عليه ومثله تماما فعل الكاظمي الذي راهن بل غالى بمنهج سلفه فكان سقوطه مدويا .
أما الدولة الثالثة التي نشات وتمكنت في فترة حكم العبادي واستمرت بالبناء في حكم المنتفجي حتى تمكنت من ترسيخ قواعدها في فترة الكاظمي فهي دولة التيار الصدري التي كانت هي الاقوى من سابقاتها بعد ان تمكنت من التغلغل في جميع مفاصل الدولة واعتمدت بذلك على ادواتها والمخلصين لخطها وتمكنت من إزاحة بقايا دولة المالكي لكن خطأ واحد أودى بها واسقطها يتمثل باغفالها للقضاء كسلطة مستقلة ولم تكن تظن انها قادرة على ازاحتها من الحكم وكما حدث مؤخرا. ولولا ذلك الخطأ الاستراتيجي لتمكنت من بسط نفوذها ولما تمكن احد من تهشيم دولتها..
أما الدول العميقة التي نجحت ودعمها الجمهور والمرجعيات والقضاء فهي تلك التي تكون مادتها الاغلبية وهدفها صيانة وحماية الديمقراطية وتتبع وسائل صحيحة وادواتها مؤمنة نزيهة. وتلك الدول هي التي نجحت ورسخت قواعدها وامتدت جذورها حتى اصبحت صلبة متينة. ولا احد يظن ويتوهم ان الدولة العميقة هي مخالفة للنظام الديمقراطي بل هي من صميمه واحد أدواته ان كانت الغاية منها نبيلة لا تطمح بسرقة الثروات او الغاء الخصوم والاضداد.وكما فعل أردوغان الذي هو اليوم دكتاتور ولكن بحزب جماهيري ودعم جماهيري حاشد تمكن من بناء دولة عميقة عادلة لم يتمكن حزب الشعب المنافس رغم تاريخه من ازاحته وسيبقى في السلطة حتى حين وفاته او عجزه. وذلك ما لم تفعله قوى الاغلبية الشيعية في العراق ولم تتمكن منه بسبب تفرقها وتشرذمها وتوزع ولاءاتها إضافة إلى تصارعها على الحكم وابتعادها عن هموم الشعب وعقم الأمة من انجاب قائد ذو همة عالية وطموح أعلى من تعيين الانسباء وجمع الثروة وايداعها في مصارف البلدان وتمكين العشيرة والأولاد في ممارسة دور اولاد الطغات…
تلك مشكلة الشيعة في العراق وستبقى مالم تتمكن قوى خيرة فيه من انشاء دولة عميقة همها ارساء قواعد دولة السطح وتمكينها من ممارسة دورها في تمكين الاغلبية من الحكم ومنع اي قوة من حرمان المكون الأكبر مستقبلا من استحقاقاته الدستورية وبغير ذلك فمن الممكن أن يتم الانقلاب على النظام الديمقراطي وكما حدث في تشرين بعد ان أسقطت شرذمة السفارات خيار الاغلبية واهانتها بتنصيب عميل تافه قام بما لم يفعله احد في تاريخ الحكومات.. وختاما فإن لا حكم توطد بدون دولة عميقة خيرة تضع نصب اعينها مصلحة الشعب وتتمتع بنزاهة ونكران ذات فان في أمريكا دولة عميقة تتحكم بنصف الدولة او اكثر وفي مصر اطاحت دولة مبارك بالإخوان ولكنها لم تتسلم الحكم بعد ان اختارت القوى المؤثرة السيسي وبن سلمان أسس لدولة عميقة اجتثت ثلثي العائلة المالكة وحتى في إيران هنالك الحرررس الذي يمثل ضمانة لديمومة الدولة وبقاؤها ولولاه ما صمدت الجمهورية أربعين عام. فلا تستغربوا…


ـــــــــــ

عن الكاتب

حسن كريم الراصد

كاتب وإعلامي ومعد ومقدم برامج تلفزيونية عراقي

اترك رد إلغاء الرد

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.