دراسات و بحوث

القواعد القرآنية للمجتمع التوحيدي ح8


الشيخ طالب رحمة الساعدي ||

رحلة تدبّرية مع خطاب ” ايها الذين امنوا …..” في مضان بعض التفاسير

القاعدة السابعة : العفة .
ويقول الإمام الخمينيّ : “قسّم الحكماء أجناس الفضائل إلى أربع فضائل هي:
الحكمة والشجاعة والعفة والعدالة، إذ إنّ للنّفس قوّتين هما: قوّة الإدراك وقوّة التّحريك، ولكلّ منهما شعبتان، فقوّة الإدراك تنقسم إلى العقل النظريّ والعقل العمليّ، وقوّة التّحريك تنقسم إلى قوّة الدّفع ]لغير الملائم[ وهي قوّة الغضب؛ و إلى قوّة الجلب ]للملائم[ وهي قوّة الشهوة. والاعتدال في كل واحدة من هذه القوى الأربع وإخراجها من حدّي الإفراط والتّفريط فضيلة. فالحكمة عبارة عن تعديل القوّة النّظرية وتهذيبها؛ والعدالة تعديل القوّة العمليّة وتهذيبها، والّشجاعة تعديل القوّة الغضبيّة وتهذيبها، والعفّة تعديل القوّة الشهويّة وتهذيبها ”
ومن مسائل العفة، مسألة استئذان الأطفال البالغين و غير البالغين للدخول إلى الغرفة المخصصة للزوجين.
حيث تقول الاية : يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِيَسْتَأْذِنْكُمُ الَّذِينَ مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ وَ الَّذِينَ لَمْ يَبْلُغُوا الْحُلُمَ مِنْكُمْ ثَلاثَ مَرَّاتٍ‏ -فيجب على عبيدكم و أطفالكم الاستئذان في ثلاث أوقات‏- مِنْ قَبْلِ صَلاةِ الْفَجْرِ وَ حِينَ تَضَعُونَ ثِيابَكُمْ مِنَ الظَّهِيرَةِ وَ مِنْ بَعْدِ صَلاةِ الْعِشاءِ.
«الظهيرة» تعني كما يقول «الراغب الإصفهاني» في مفرداته «و الفيروزآبادي» في القاموس المحيط: منتصف النهار و قريب الظهر حيث ينزع الناس عادة الملابس الإضافية، و قد يختلي الزوج بزوجته.
ثَلاثُ عَوْراتٍ لَكُمْ‏ أي هذه ثلاث أوقات للخلوة خاصّة بكم.
«العورة» مشتقّة من «العار»، أي: العيب. و أطلق العرب على العضو التناسلي العورة، لأنّ الكشف عنه عار.
كما تعني العورة الشقّ الذي في الجدار أو الثوب، و أحيانا تعني العيب بشكل عامّ.
و على كلّ فإنّ إطلاق كلمة (العورة) على هذه الأوقات الثلاثة بسبب كون الناس في حالة خاصّة خلال هذه الأوقات الثلاثة، حيث لا يرتدون الملابس التي يرتدونها في الأوقات الأخرى.
و طبيعي أنّ المخاطب هنا هم أولياء الأطفال ليعلموهم هذه الأصول، لأنّ الأطفال لم يبلغوا بعد سنّ التكليف لتشملهم الواجبات الشرعية.
كما أنّ عمومية الآية تعني شمولها الأطفال البنين و البنات، و كلمة «الّذين» التي هي لجمع المذكر السالم، لا تمنع أن يكون مفهوم الآية عاما، لأنّ هذه العبارة استعملت في كثير من الموارد و قصد بها المجموع، كما في آية وجوب الصوم، فلفظ «الّذين» هناك يعمّ المسلمين كافة (سورة البقرة الآية 83).
– فلسفة الاستئذان و المفاسد المترتبة على عدم الالتزام به‏
لا يكفي اللجوء إلى القوة لاقتلاع جذور المفاسد الاجتماعية كالأعمال المخلة بالشرف، و لا يرجى نتيجة مرضية من العقاب فقط في القضايا الاجتماعية.
و إنّما يستوجب اتباع عدة أمور كالتثقيف الإسلامي، و تعليم آدابه الخلقية، و اتباع السبل الصحيحة في القضايا العاطفية. و إلى جانب هذه الأمور يكون العقاب كعامل لردع المنحرفين عن الطريق السوي.
و لهذا السبب بدأت سورة النور- و هي في الواقع سورة العفاف و الشرف- بالحديث عن جلد الرجال الزناة و النساء الزانيات، كما تحدثت في نفس الوقت عن تسهيل الزواج و رعاية الحجاب الإسلامي، و النهي عن النظر بلذة و تحريم اتهام الآخرين بشرفهم و ناموسهم، و أخيرا استئذان الأبناء حين الدخول إلى غرفة الوالدين.
و هذا يدلّ على عدم إغفال الإسلام أي من هذه التفاصيل التي لها علاقة بمسألة العفاف و الشرف.
و على الخدم أن يستأذنوا حين الدخول إلى غرفة الزوجين الخاصّة اللذين يخدمانهما، كذلك يستوجب على الأطفال البالغين عدم الدخول إلى الغرفة المذكورة دون استئذان، و تعليم الأطفال غير البالغين الذين يرتبطون ارتباطا وثيقا بالوالدين، أن لا يدخلوا غرفة الوالدين دون استئذان و على الأقل في الأوقات الثلاثة التي أشارت إليها الآية «قبل صلوة الفجر و حين الظهر و من بعد صلوة العشاء».
و هذا نوع من الأدب الإسلامي، رغم قلّة الالتزام به مع كلّ الأسف. و رغم بيان القرآن ذلك بصراحة في الآيات السابقة. فإنّه من النادر أن يتناوله الخطباء و الكتّاب، و لا يعرف سبب إهمال هذا الحكم القرآني الحاسم؟! و رغم أنّ ظاهر الآية يوجب هذا الحكم، و حتى لو اعتبرناه مستحبا فإنّه ينبغي الحديث عنه، و بحث جزئياته و رغم تصور بعض السذج بأن الأطفال لا يدركون شيئا عن هذه الأمور، و أن خدم البيت لا يهتمون بها، فإنّ الثابت هو حساسية الأطفال بالنسبة لهذه القضية (فكيف بالنسبة للكبار). و قد يؤدي إهمال الوالدين و رؤية الأطفال لمشاهد ممنوعة إلى انحرافهم خلقيا و أحيانا إلى إصابتهم بأمراض نفسية.


عن الكاتب

الشيخ طالب رحمة الساعدي

اترك رد إلغاء الرد

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.