مقالات

ما لا يدركه الساسة..!


حسن كريم الراصد ||

الكثير منا لا يدرك ان العقدين الماضيين من عمر ديمقراطيتنا لم يكونا غير مخاضات عسيرة لم تتمخض عن ولادات حقيقية. وما أنجبته لم يكن سوى خدائج لم تكتمل نشأتها..
فمن تجربة حزب الدعوة بمرحلة جعفريها القصيرة التي لم نتعرف على مخرجاتها ولم يصل إلينا منها غير ظواهر صوتية سأمها الشعب بعد ان تكرر ترددها وصولا إلى مرحلة المالكية بسنواتها الثمان والتي تخلى فيها زعيمها في دورته الثانية عن حلفاء الأمس ومن ثم دفع بكوادر الدعوة خارج دائرة القرار واستبدلهم بشباب اكثر حماسة وأقل تطلبا من الحرس القديم رغم ان لهذا الحرس اتباع ومريدين وفيهم النخب الثقافية والقمم السياسية فذهب جمهور الدعوة القديم إلى زوايا النسيان بعد ان وزعت الهبات والعطايا لجيل جديد.
ثم نأتي على المجلس الأعلى الذي كان يملك جمهور واع مدرك لما يجري يكاد يكون الأعلى والأكبر في القوى الشيعية لما يمتلكه هذا التيار من ثقل ديني جهادي وسياسي لا يضاهيه فيه احد.
ولكن وبعد سنين من النجاحات تخلى المجلس الأعلى عن حرسه القديم فذهبت بدر ومن ثم غادره المجلس الأعلى وبقي الحكمة كأنه تشكيل جديد باسم ومنهج جديد فتفرقت نخبه القديمة ضمن إزاحة جيلية معروفة وانزوى واعتزل أكثرهم وفقد الحماسة في الولوج في عالم السياسة والعمل الحزبي من جديد. وهذه النخب ليست بالعدد الهين بل هي تمثل ثقلا سياسي تجده فاعلا في مواقع التواصل له أثر كبير في صناعة الرأي العام وتحديد بوصلة الجماهير رغم تفرقه وعدم وجود إطار يجمعه …
وما جرى على الدعوة والمجلس الأعلى جرى على بدر بعد انفصالها واصاب كذلك تنظيمات الدعوة الأخرى باجمعها لينشأ اليوم جمهور يمثل الحرس القديم للاحزاب الشيعية باجمعها سمي مؤخرا بالاغلبية الصامتة. وهذه الاغلبية الصامتة صارت تمثل ثقلا كبيرا في مواقع التواصل وفي المجالس العامة والفعاليات الاجتماعية لما تحمله من تجربة ومساحة كبيرة بعد تحررها من قيود الحزبية وانطلاقها لفضاء الوطن والقوم .
ولم تكن الاحزاب تفكر باعادتهم إلى حضيرتها ولا هم يفكرون بالعودة إليها بعد القطيعة التي حدثت. فهم لا يحضرون مناسبات أحزابهم السابقة ولا يشاركون في تجمعاتها وقد يحتفظ الكثير منهم بالود والاحترام للماضي لكن ذلك أصبح مجرد ذكريات وصور قديمة تعيد نشرها إدارة الفيس كل حين..
وهنا اصبح هذا الكم من الحرس القديم للاحزاب الشيعية قوة يمكن لأي تشكيل جديد أستقطابها والاستفادة منها ان توفرت مناخات بناء الثقة في عدم عودة التجربة المريرة لهم مع أحزابهم السابقة.
ومن يريد رسم مستقبل سياسي له بالمدى المنظور فعليه استقطاب هذه النخب فقد اثبتت تجربة تشرين أن لهؤلاء قدرة على مواجهة التحديات وعدم الرضوخ للمغريات فهم مجردون من الطموحات بعدما بلغوا من العمر ما انضج تجربتهم ووسع ادراكاتهم فبات همهم استحقاقات المكون الأكبر متجاهلين منافعهم الذاتية ولا يفكرون بما سيجنون من الحزب من تعيينات او امتيازات بلحاظ تعديهم لمرحلة الطموحات الجامحة والأماني الواسعة التي يتمتع بها الشباب والتي أسقطت الكثير من احزابنا التي أرادت الاعتماد على الكم وتجاهل النوع ..
لذلك اتوقع ان هذا الحرس القديم سيعود بقوة وتحت مسمى الراية التي تتمكن من كسب ثقتهم فهم متحررون وليس في رقابهم بيعة لاحد وهم سيبايعون من غايته البناء وخدمة المجتمع وأغاثة الفقراء وبناء مدنهم وأنعاش زراعتهم والقضاء على الفساد الذي نخر جسد وطنهم.
ان هؤلاء سيشكلون القوة التي تحسم الصراع الانتخابي المقبل ومن يتمكن من كسب ثقتهم سيكون صاحب السبق ومن سيتربع على قيادة الجماهير الشيعية في المستقبل القريب بعد ان فشل الجميع في تحقيق أغلبية داخل المكون تتمكن من القول انها تمثل هذا المكون وباريحية..


عن الكاتب

حسن كريم الراصد

كاتب وإعلامي ومعد ومقدم برامج تلفزيونية عراقي

اترك رد إلغاء الرد

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.