مقالات

المجتمعات ومراحل تطورها..العقل الجمعي؛ أم الوعي الجمعي ؟!


علي عنبر السعدي ||

ايهما احقّ ؟؟ وايهما اسبق ؟؟؟
طالما استخدام مصطلح ( العقل الجمعي ) في الإشارة الى تلك المجتمعات التي تسير أو تتبنى خطاباً ، يعتمد شعارات ومقولات ، تنعكس غالباً على مسارات تطورها ،وبالتالي تظهر قابلية استغلالها وتوجيهها ، من قبل أولئك الذين يمتلكون قدرة التوجيه والتأثير في الجموع ،وتعبئتها باتجاهات وأهداف معدّة سلفاً .
كما يتعدى ذلك الاستخدام الى (عقلية القطيع ) في خلط لامعرفي ،بين مجال العقل البشري وقدرته على انتاج الفكر وتطويره ، وبين الانسياق للغرائز كمحرك للجماعات .
للعقل مجال اشتغالات تقع ضمن مفهومي الزمان والمكان / والسبب والنتيجة ، والمتحقق والمفترض ، والتجربة والبرهان ، والمادة والموضوع ، والتأمّل والاستنتاج ، والحواس والفكرة – الخ .
الوصول الى هذا المستوى من الاشتغال ، يتطلب استعداداً ومراناً وتهيئة ، قد لاتكون متاحة للجميع في المقدار ذاته ، لذا فتأثيرات الخطاب التعبوي والشعارات الهادفة ، لدفع المجتمع الى تبني قضايا بعينها ، أو جعل تلك القضايا في مستوى السلوك الطوعي ، قد يصل بالمجتمع الى مايمكن تسميته ب” الرأي الجمعي ” الذي يتجسد سلوكاً أو نشاطاً جمعياً يتمحور حول معتقد أو توجه سياسي، أو مفاضلة مجتمعية أو معتقدية – وهكذا .
لكن الرأي الجمعي ، كي يصبح سلوكاً جمعياً ، لابد من توفر شروط ومستويات ومحددات (*)
فإن ارتقى أكثر الى طرح مواضيع معرفية محورية ،نالت التفاف الأكثرية باعتبار موضوعيتها معرفياً ، بحسب أحكام العقل ومجال اشتغالاته ،عندها ينتقل المستوى الى الفهم الجمعي ، أي أصبحت هناك نخب وجماعات ،وصلت الى مرحلة الاحتكام الى الموضوع ومايمثله .
أما وصول المجتمع الى مرحلة أرقى – الوعي الجمعي- أي تقدم أكثر في تطوره ، فذلك يعني الوصول الى مرحلة القناعات المشتركة والتفكير الموضوعي ، بأصل الحدث ومادته والمؤثرات فيه وظروف وقوعه ، عندها ينتقل المجتمع بشكل أكثر وضوحاً ، من الانفعال الى الاشتغال ،أي من ردات الفعل غير الخاضعة لمتطلبات العقل ، الى الافعال الناتجة عن معرفة بحيثيات الفعل وضرورة القيام به ، مع حساب عوامل نجاحه أو موانعه .
أما ” العقل الجمعي ” فهي مرحلة طوباوية لم يصل اليها ايما مجتمع بعد ، فذلك يعني ان المجتمع ، وصل الى مرحلة تتعدى الوعي بالموضوع المعرفي ، الى خلق الموضوع ذاته – مرحلة الابداع والابتكار – .
يحصل ذلك حين تخلق الحكمة – باعتبارها من أهم منتجات العقل – ذلك الانسجام بين حركة المجتمع ونشاط الفرد ، بين تفوق المجتمع فيما يتبناه ، وتفوق الفرد فيما يبدعه ،فتجعل من المعرفة إنتاج فردي ، ومن تعميمها نتاج جمعي ، أي أن المكتشفات والمخترعات العلمية والإبداعات الجمالية ، عممت بالنتائج وخصصت بالاكتشاف – فرد يبدع ومجتمع يتبنّى – وفيما يُعنى العقل الفردي بالتدقيق في خصائص الأشياء التفصيلية لاكتشاف كنهها وماهيتها وطبيعة تركيبتها وعلاقة أجزائها وتكويناتها ، أي كلّ ما من شأنه التحديد في الشيء، يذهب الفهم الجمعي إلى التعميم والشمول والإجمال ، أي إن الإنتاج الفردي يتحول إلى منتج جمعي في مسار انتقاله من حالة إلى ظاهرة .


ـــــــــــ

عن الكاتب

علي عنبر السعدي

اترك رد إلغاء الرد

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.