مقالات

الاعتداء على الكوادر التدريسية وثارات قديمة..


عادل الموسوي ||

العام ١٩٨٢ متوسطة “… ” ، الدوام “ظهري” كان لدينا ما يسمى بالدرس الشاغر، وكان بعضنا قرب “الحانوت”، اتذكر جيدا ان احد الطلبة، قال: “يا وِلد صوت طلقات”، لم نعلم مصدر اطلاق النار، لكن ركضنا الى جهة مدخل المدرسة، احد الطلبة ينظر -مرعوبا- الى شيء ما داخل غرفة المدير، كان شباكها يطل على ممر عريض في واجهة المدرسة، اقتربت من ذلك الشباك، المدير ملقى على وجهه، واثر خروج عيار ناري من ظهره قريبا من كتفه الايسر، خرج جميع الطلبة من صفوفهم، تكدسوا على الشباك، لا زلت انظر الى المدير غارقا بدمائه، وجدت صعوبة في الخروج من بين اكداس الطلبة بعد ان ضُغطت اضلاعي على “كتيبة” الشباك.
لا زال به رمق، حملوه الى سيارة الى المستشفى، رجع الطلاب الى بيوتهم، دخلت الزقاق، واذا بمجموعة يحملون “ق..”، وخلفهم امه العجوز تلطم راسها وتخمش وجهها، كان مصابا بطلق ناري..
كان طالبا في شعبة اخرى، كنا نراه في المحلة هادئا..غامضا، سمعنا فيما بعد انه كان مشاكسا في درس الاحياء، قدمت المُدرّسة فيه شكوى الى المدير، قيل انه عاقبه بالفصل او بعقوبة اخرى -لا اذكر- دخل المنزل و”مسدس” اخيه لا زال في يده، ضغط الزناد فانتحر..
-كان اخوه عنصرا في الاستخبارات العسكرية-
قبل ان ينتحر “ق..” كان قد قتل ذلك المدير، وهرب الى سيارة كانت بانتظاره..
المدير فارق الحياة في الطريق الى المستشفى..
الطالب فارق الحياة ايضا قبل ان يصل إلى المستشفى نفسه.
ليست هذه قصة قصيرة، انما هي انموذج لحادثة ربما تكون نادرة في ذلك العهد، لكنها تعني ان الاعتداء على الكوادر التدريسية:
– ليس جديدا.
– لا تسيطر عليه قوة القانون والأنظمة الصارمة
– قد حصل باعلى درجاته وهو القتل..
ودلالات اخرى..
من الطبيعي جدا في عهد الانفلات والفوضى ان تزداد ظاهرة الاعتداء على الكوادر التدريسية وكذلك الطبية او المكلفين بخدمة عامة ومنهم القوات الامنية..
الاعتداء على الموظفين المكلفين بخدمة عامة مدنين كانوا او عسكريين جريمة يعاقب عليها قانون العقوبات العراقي، وتصل العقوبة فيها من الغرامة او الحبس الى الاعدام في الظروف المشددة، كما منح القانون الحق بالدفاع عن النفس حتى ان أودى الى الموت..
اذن فالرادع القانوني موجود و”الفصل وطلايب العشائر” كذلك، لكن لا اكتراث للعواقب، فالمعتدي -وخصوصا- في حالات الاعتداء على الكوادر الطبية يمر بحالة غضب وهيجان “هستيري” فيعتدي على الأطباء والمعاونين واجهزة المستشفى عند تدهور حالة المريض او وفاته..
ان اسباب ظاهرة الاعتداء على الكوادر التدريسية -محل الكلام- كثيرة، قد يكون منها: الشعور بالقوة والمنعة، لوجود من يقف عند ظهره، من اخوة او اولاد عم او عشيرة، او قوة مسلحة تابعة لحزب، او غنى -فبالمال تشترى المكانة والقوة- او غير ذلك من اسباب كثيرة..
لكن لابد من سبب جامع لكل ما يتفرع منه من اسباب مختلفة، واعتقد ان السبب الرئيس هو سوء تنشئة المجتمع، والذي يبدأ من البيت والمدرسة معا..
الاباء والامهات والكبار عموما لا يتقمصون وجدان الطفل، فهو يعيش في بيئة تعليمية وارشادية متناقضة، البيت، المدرسة، الشارع، ويضاف لها القنوات الفضائية و”الموبايل”..وفي كل منها بيئة اخرى متناقضة، فارشادات الاب والام غير ارشادات الجد والجدة، وهي تختلف عن ارشادات المعلم..
الارشادات اعني بها المعنى العام من التوجيه الايجابي او السلبي (الافساد) والتحريض..
للطفل عالم كبير من المشاكل لا تقل عن مشاكل البالغين، والغريب ان ما من احد الا ورد ذلك العالم، لكن سرعان ما ينسى الجميع ولا تبقى من ذلك العالم الا اثاره السيئة المنعكسة على السلوك والأداء..
الاعتداء على الكوادر التدريسية ظاهرة غير محمودة ويعتبرها الجميع انها غير طبيعية، لانها خلاف المعهود..
فما المعهود؟
هو ظاهرة ايضا لكن الاغلب يعتبرونها طبيعية بحجة التأديب..
ان ضرب التلميذ لا يجوز شرعا الا بإذن وليه، وان لا يؤدي إلى احمرار الجلد، والا وجبت الدية..
اتذكر ان معلم الرياضيات في الصف الثاني الابتدائي كان يعاقب بالرفع من الاذنين إلى ارتفاع “المتر” ثم يترك الطفل ليسقط على الأرض، وكانت له “صوندة” سوداء، لا يمر درس الا و”تاكل المقسوم اربع صوندات او خمسة”، الضرب لم يكن مقتصرا على راحة اليد بل على ظهر الكف ايضا وعلى الكتف والظهر والجوانب والالية، كانت العصا تلعب على جسم التلميذ بتحركاته الملتوية من الالم..
كان اسم المعلم: “استاد صدام”..
هكذا كنا نتعلم على يديه وايدي غيره القراءة والحساب والوطنية والجغرافيا.. في ظل آلام الضرب والاهانة وضحك باقي التلاميذ وسخريتهم في “الفرصة”..
التلاميذ..
ابن الغني وابن الفقير، “الشاطر” والكسلان، “السبع والمخنث”، بيئة متناقضة، ولعب، وعراك، وصراخ، تنمّر، سخرية، تحرش، تهديد “اني الك بالطلعة”، مناخ مشحون بانواع المسببات للرواسب الفكرية والأخلاقية..
يروى في القصص التحفيزية على بر الوالدين قصة معروفة متداولة عن ذلك العاق الذي طرد اباه من المنزل في جو الشتاء البارد، فتوسل الاب بان يعطيه لحافا يقيه من البرد القارس “القارص”، فإمر الابن ابنه ان يأتيه بما طلبه الجد، فجاء الابن باللحاف وقد شطره قسمين، فتسائل الاب مستغربا، فاجاب الولد بان الشطر الثاني ساحتفظ به لك..
ويبدو ان ما كان يقاسيه التلاميذ والطلاب في ذلك العهد، بانت نتائجه في هذا العهد..
وان ظاهرة ضرب التلاميذ والطلاب انقلبت الى ظاهرة الاعتداء على الكوادر التدريسية..
وهذا لا يعني انتفاء موضوع ضرب التلاميذ في الوقت الحالي..
ان قياس مضمون القصة بظاهرة الاعتداء قياس مع الفارق، والهدف من الايراد هو بيان التشابه في الاسباب والنتائج، والذي اعنيه: ان سوء تنشئة المجتمع كان نتيجة لمعاناة سابقة وظروف عصيبة، كان منها المعاملة السيئة في الاجيال السابقة، والتي يترنم البعض بالترحم على اولئك المعلمين لانهم صنعوا جيلا “متعلما صَلِبا”..
هل نحتاج إلى تشريع عقوبات جديدة.. او إجراءات معينة.. تغير حكومة.. نظام.. اساليب وسلوكيات تعامل.. مواعظ وحكم..
اذا كنا وقضية سوء تنشئة المجتمع فنحن بحاجة الى ثورة مجتمعية عظمى تنقلب على مختلف تفاصيل الاوضاع الفاسدة، وهذا يحتاج على مصلح كبير..
والى ذلك الحين لا اقل من اصلاحات ولو جزئية، -ترقيعية- منها “عن الحلال والحرام” اعادة النظر بطرائق التدريس والمناهج الدراسية، دورات تاهيلية للمعلمين والمدرسين في التعامل مع التلاميذ والطلاب في ضوء البيئة المجتمعية الراهنة.
الامر اخطر من ذلك بكثير.. فما الظواهر السلبية التي لاحظنا تناميها في المجتمع الا انعكاسات لما هو اخطر من الظاهرة نفسها..
لقد اهتزت -بفعل الفاعلين- منظومة القيم لدى المجتمع، وان الحفاظ عليها مسؤولية تضامنية، من المفترض أن يكون للمعلم فيها دور كبير.


ـــــــــــــــــ

عن الكاتب

عادل الموسوي

اترك رد إلغاء الرد

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.