ثقافية

آخر مفكر من جيل “الدعاة” الرواد


د.علي المؤمن ||

نهاية مرحلة المفكرين المدونين:
برحيل السيد هاشم الموسوي (أبو عقيل) في العام 2016، وهو آخر مفكر مدون رائد؛ يمكن القول أن جيل المدونين الرواد من مفكري «الدعوة» ومنظريها البارزين، قد انتهى؛ فالسيد الموسوي هو بقية مفكري مرحلة البناء التي استمرت من العام 1957 وحتى 1980، وأفرزت كثيراً من المفكرين والمنظرين المدونين، وأبرزهم: السيد الشهيد محمد باقر الصدر والسيد مرتضى العسكري والسيد محمد حسين فضل الله والشيخ محمد مهدي شمس الدين ومحمد هادي السبيتي وعبد الصاحب دخيل والشيخ محمد علي التسخيري والشيخ محمد مهدي الآصفي والسيد كاظم الحائري والشيخ عبد الهادي الفضلي والشيخ عارف البصري وعبد الصاحب دخيل ومحمد هادي السبيتي والدكتور داود العطار والسيد هاشم الموسوي وغيرهم. وكان السيد هاشم الموسوي آخر الأحياء الذين بقوا يعملون في إطار تنظيمات حزب الدعوة من ذلك الجيل، وهو جيل يندر وجوده في أي حزب إسلامي في العالم، إذا ما استثنينا جماعة الإخوان المسلمين في مصر.
وإذا كان قسم من أؤلئك المفكرين قد كتبوا في الفكر الإسلامي العام؛ فإن أكثر من كتب في فكر “الدعوة” الداخلي هم: السيد محمد باقر الصدر وعبد الصاحب دخيل ومحمد هادي السبيتي والسيد هاشم الموسوي. ولعل السبيتي والموسوي يتفوقان على كل المفكرين الدعاة الآخرين في حجم ماكتبوه للدعوة، وهو مايعادل ثلثي فكر الدعوة.
وحزب الدعوة، كغيره من الأحزاب الايديولوجية التأسيسية، هو حزب نخبوي في فكره وأعضائه، ومن الطبيعي أن يكون في صفوفه عدد كبير من المنظرين والمفكرين والكتّاب. إلّا أن أربعة عوامل أساسية ساهمت في أفول ظاهرة المفكرين والمنظرين في صفوفه بعد العام 1972:
1- مرحلة الانكشاف النسبي للسلطة منذ العام 1971 وما بعده، والتي أكلت نخبة مهمة من مفكري حزب الدعوة وشخصياته التنظيرية، المدونة والشفاهية، ممن أعدمهم نظام البعث، وأبرزهم: محمد هادي السبيتي وعبد الصاحب دخيل والشيخ عارف البصري وعدنان سلمان والشيخ حسين معن ومحمد بداي السالم وهادي شحتور وغيرهم.
2- خروج نخبة مهمة من المفكرين والشخصيات التنظيرية، المدونة والشفاهية، من الحزب، في مرحلة المهجر، وخاصة في العام 1981 وما بعده، لأسباب متعددة، ذكرناها تفصيلاً في كتاب “جدليات الدعوة”، وأبرزهم: السيد مرتضى العسكري والشيخ علي الكوراني والشيخ محمد علي التسخيري والسيد كاظم الحائري ومهدي عبد مهدي والشيخ حسين الكوراني والشيخ صبحي الطفيلي والشيخ محمد مهدي شمس الدين والسيد محمد حسين فضل الله وآخرين.
3- وفاة كثير من الشخصيات الفكرية والعلمية الدعوية خلال الثمانينات والتسعينات من القرن الماضي ومابعد سقوط نظام صدام، كالدكتور داود العطار والسيد عبد الأمير علي خان وعز الدين سليم والشيخ مهدي العطار وغيرهم.
بروز مرحلة الباحثين والكتاب وأفولها:
تزامنت مرحلة أفول المفكرين والمنظرين المدونين في حزب الدعوة الإسلامية، التي بدأت بعد منتصف ثمانينات القرن الماضي، مع بروز ظاهرة جديدة أو مرحلة جديدة تنسجم وطبيعة الظرف التاريخي الموضوعي والتجاذبات الداخلية التي عاشتها “الدعوة”، وهي مرحلة الباحثين والكتّاب، والتي لم يعرفها حزب الدعوة من قبل، بالكم والنوع الذي أصبحت عليه في عقدي الثمانينات والتسعينات من القرن الماضي، ولعل أهم الباحثين والكتّاب “الدعاة” الذين مثلوا مادة هذه المرحلة: السيد حسن شبر، السيد حسين الشامي، عبد الزهرة البندر، غالب الشابندر، محمد الشبوط، فخري مشكور، فؤاد المقدادي، حسن السعيد، عبد الجبار الرفاعي، السيد عبد السلام زين العابدين، ياسين مجيد، محمد الحسيني، علي المؤمن، عادل رؤوف، جواد كسار، علي التميمي، صلاح عبد الرزاق، سليم الحسني، ابراهيم العبادي، شلتاغ عبود، عادل القاضي، طالب الحسن وغيرهم.
ويضاف اليهم عز الدين سليم والسيد عبد الأمير علي خان، اللذان ساهما أيضاً في كتابة الفكر الداخلي لحزب الدعوة وفكره الحركي. وباستثناء الأخيرين؛ فإن جيل الباحثين والكتاب “الدعاة” الذين برزوا في عقد الثمانينات من القرن الماضي، اشتغلوا في حقول فكرية أخرى لاتدخل في صلب فكر “الدعوة” الخاص، بل تدخل في إطار الفكر الإسلامي أو الفكر السياسي العام، وكانت لهم نتاجاتهم الكمية والنوعية الملحوظة. وبالتدريج؛ لم يبق من هؤلاء الباحثين منتظماً في حزب الدعوة إلّا القليل جداً. وبذلك؛ يمكن القول أن مرحلة الباحثين والمفكرين والباحثين والكتّاب داخل جسد حزب الدعوة؛ قد أفلت هي الأخرى بالتدريج، وأصبحت واضحة بعد العام 2003.
مرحلة المنظرين والمفكرين الميدانيين:
أعقب أفول مرحلة الباحثين والكتّاب “الدعاة” المنتظمين؛ ظهور مرحلة المنظرين والمفكرين الميدانيين الشفاهيين الذين مارسوا عملية إدارة السلطة وقيادة حركة الدولة والفعل السياسي الحكومي؛ فإذا طبقنا معايير الانتاج التنظيري والفكري الشفاهي، بما يتضمنه من بعد تخطيطي وميداني، كما تعتمدها كثير من مراكز الأبحاث والدوريات العالمية، ومنها الدوريات مجلة «فورين بوليسي» الأمريكية العلمية المحكمة، التي تنشر سنوياً قائمة بأهم مائة مفكر على مستوى العالم، وتذكر أسباب اختيارهم، وفق معايير مقبولة ومنطقية، وهي على نحوين:
1- الانتاج الفكري الابداعي، سواء كان مكتوباً أو شفاهياً.
2- التنظير والتخطيط والفعل الفكري والميداني الإبداعي، سواء كان فنياً (الإخراج السينمائي مثلاً) أو سياسياً أو عسكرياً أو إعلامياً أو صناعياً.
فمثلاً في قائمتها للعام 2012، وضعت مجلة “فورين بوليسي” قائد المعارضة الميانمارية “آنغ سان سوشي” في المرتبة الأولى، كأهم مفكر في العالم لذلك العام. ووضعت مدير الموساد السابق “مائير داغان” في المرتبة (14)، و”رجب طيب أردوغان” في المرتبة (28)، وصاحب شركة مايكروسوفت “بيل غيتس” في المرتبة (32). ولكن المفاجاة هي أن تضع المجلة فيلسوفاً وعالم اجتماع شهير، هو الألماني “يورغن هابرماس” في المرتبة (88). و”هابرماس” (مواليد 1929) هو أهم مفكر ألماني معاصر على الإطلاق، بل أحد أهم فلاسفة الاجتماع السياسي على مستوى العالم خلال العقود الأربعة الأخيرة، ويعتبر بمصاف “كارل ماركس” و”مارتن هيدغر”. أما الفيلسوف السلوفيني الكبير “سلوفاي جيجيك” فقد حلّ في المرتبة (92). ولو كانت مجلة «فورين بوليسي» قد اعتمدت المعايير التقليدية المتعارفة في الوسط العربي والإسلامي؛ لوضعت “هابرماس” و”جيجيك” في أحد المراتب الخمس الأولى قطعاً.
وعليه؛ وفقاً لمعايير “فورين بوليسي”؛ فإن هناك أسماء ستبرز داخل حزب الدعوة، تمثل الفعل التنظيري الفكري الميداني بعد العام 2003، لها حضورها أيضا، أمثال نوري المالكي والدكتور ابراهيم الجعفري وعلي الأديب والشيخ عبد الحليم الزهيري والدكتور خضير الخزاعي والدكتور طارق نجم وغيرهم، رغم أن الإشارة إلى هذه الأسماء سيثير كثيراً من الاعتراضات وعلامات الاستفهام؛ لكنني لم أذكرها إلّا استناداً إلى معايير علمية عالمية معتمدة أؤمن بصحتها، رغم عدم إيماني بخلفيات المؤسسات العالمية في اختيار كثير من مصاديقها،
مفكرو “الدعوة” الجدد:
إن مهمة النهوض بنظرية حزب الدعوة الإسلامية، وتنقيتها وتجديدها، وإعادة كتابة فكر الدعوة، وإدامته؛ لم تعد مهمة المفكرين والباحثين التقليديين الذين اعتاد “الدعاة” على قراءة أفكارهم العامة والخاصة، بل هي عملية معقدة وصعبة، لأنها لا تقوم على أرض مستوية منبسطة، بل على بناء قائم عميق ومتجذر في “العقل الدعوي”، ويعتري هذا البناء كثير من الإشكاليات والجدليات. ولذلك؛ فإن فئة المفكرين والباحثين التقليديين، بحاجة الى التكامل مع فئتين أُخريين، هما: فئة الخبراء المنظرين والقياديين الميدانيين، وفئة الباحثين الاختصاصيين، للقيام بالمهمة المذكورة، لأن توصيف المفكر الحزبي والمنظر الدعوي في مرحلة الحكم والتطبيق السياسي، تختلف عن توصيفه في مرحلة البناء الأُولى والتنظير العام، ومرحلة المعارضة. ويمكن تلخيص الفئات الثلاث المذكورة بمايلي:
1-القياديون الميدانيون الخبراء في إدارة الدولة والحكومة والفعل السياسي.
2-الباحثون الإختصاصيون في علم الاجتماع الديني والسياسي والثقافي، والقانون الدستوري، والعلوم السياسية.
3-الباحثون الاختصاصيون في الشأن الإسلامي، بشقيهم: المثقفون وعلماء الدين.
وهؤلاء موجودون في “الدعوة”، فيهم المنتظم وفيهم المنقطع، ولعل الإمكانات الفكرية والتخصصية التي يمتلكها هؤلاء، لاتقل كماً ونوعاً عما كان يمتلكه الشباب العشريني والثلاثيني الذي كتب فكر حزب الدعوة ونظّر له في الخمسينات والستينات والسبعينات.

ـــــــــــــــــ

عن الكاتب

د.علي المؤمن

اترك رد إلغاء الرد

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.