ثقافية

“طويريج” في الذاكرة ..!


عادل الموسوي ||

تشرفنا انا وصديقي الكاتب حسين فرحان قبل ايام بزيارة المولى ابي عبد الله الحسين وأخيه ابي الفضل العباس عليهما السلام، والتقينا ببعض الاصدقاء، منهم: العزيز جدا حازم، ثم عرّجنا الى “طويريج” (٢٠ كم عن مركز المحافظة) لزيارة صديقنا العزيز ابو محمد، ركبنا سيارة “التكسي النفرات، النفر بـ ١٠٠٠ دينار”..
الاجرة الرخيصة الى مثل هذه المسافة قد تشحذ الذاكرة وتعود بك الى الماضي، وكذا السيارات القديمة، ومنها: “الرف” ١١ راكب.
وصلنا المدينة.. لم تعلق بذاكرتي اية معالم غير الجسر، وكأني ازورها لاول مرة.. عبرنا جسر الهندية.. اذكر جيدا ان في وسطه معلما.. هيكلا حديديا يحمل بصمة “بريطانية”
كان اخر عهد لي بعبوره منذ ٣٢ عاما..
٢٠ صفر ١٤١٢..
انا وصديقي -ايام الدراسة- فخري جواد في “گراج العلاوي”..
غادرت “الريم” ٤٤ راكب متوجهة الى كربلاء المقدسة..
لا اذكر عدد سيطرات التفتيش التي تجاوزناها بحبس الانفاس، لكن اذكر جيدا سيطرة “الدورة”، واذكر ايضا السيطرة الاخيرة، والتي اظن انها كانت سيطرة “الوند”، في هذه السيطرة انزلوا العسكريين وسكنة كربلاء، وامروا السائق بالاستدارة والعودة الى بغداد..
خابت الامال..
خطرت لنا فكرة الدخول الى كربلاء من باب اخر، الحلة مثلا..
نزلنا في المسيب.. توجهنا الى المرآب.. وصلنا الى الحلة، سألنا في مرآبها عن امكانية الوصول الى كربلاء.. كانت الاجابات مخيبة، اخبرنا بعض من سألناهم من السواق: بان اقرب سيطرة ستمنع غير سكنة كربلاء او من لديهم عمل رسمي من الدخول الى المدينة، مع تحذيرات من مسائلة السلطات للغرباء في المنطقة خصوصا ان العهد قريب من قمع الانتفاضة الشعبانية..
خطرت لنا فكرة بالتوجه الى “طويريج” والعذر – عند المسائلة- هو زيارة احد المعارف هناك للتعزية بوفاة والده..
عبد الحسين الكربلائي احد اصدقاء ايام الدراسة في بغداد..
عبرنا السيطرة بأمان، فالمنع من الوصول الى “طويريج” لم يكن هدف السلطات..
وصلنا الى صديقنا عبد الحسين..
بعد الضيافة توجهنا جميعا الى كربلاء..
كانت الفكرة ان الدخول من اية مدينة الى كربلاء المركز غير مسموح، لكن الدخول الى مدينة في كربلاء كمدينة في محافظة ممكن، ثم الانتقال من هذه المدينة الى كربلاء المركز قد يكون ممكنا باعتبار ان القادم هو من مدينة من داخل المحافظة، وطبعا مع شيء من المجازفة.
ركبنا في “الرف” تجاوزنا بعض السيطرات، اكتفى عنصر السيطرة بالنظر في وجوه الركاب فقط..
في السيطرة الأخيرة.. طلب صاحب “البيرية” الحمراء ذو الشارب الغليظ الهويات، كنا نحمل دفتر الخدمة “السويسري”، كنا نرجو ان لا يلتفت الى العنوان، لكنهم كانوا محترفين، اخذ يقلب الاوراق، لم يكن يبحث عن الموقف من الخدمة، كان يبحث عن العنوان..
الاول بغداد، الثاني بغداد، الثالث كربلاء – الهندية..
قال بنبرة تحقيقية: “اثنين من بغداد وواحد من الهندية شجمعكم سوه، واهل بغداد شعدهم اهنا بكربله..”
قال عبد الحسين: “خطار يمي”
لم يطل الاسئلة.. قال متهكما وهو يمسك بالدفاتر الثلاث بطرفي السبابة والابهام: “خطار لو زوار”؟!
ثم رمى بدفاتر الخدمة في حجر صاحبنا بحركة يد سريعة، وبضربة كف سريعة قوية -نوعا- على بدن السيارة، وقال بصوت الضباط او العرفاء “الحوك”: تحرك..
لقد كانت لعناصر الامن والسيطرات في ذلك الزمن رهبة، لا يدركها من لم يعاصر تلك الحقبة..
التقت النظرات، ان الحمد لله..
وصلنا كربلاء.. توقف السيارة بجانب الطريق..
التفت الينا السائق: “وينهم ولد الملحة.. بالسلامة الله وياكم، اندوعونا..”
“..الله يسلمك رحم الله والديك..”
لمست اقدامنا ارض كربلاء..
يقول الراوي في رواية ورود جابر بن عبد الله الانصاري وعطية العوفي الى كربلاء في اربعينية الامام الحسين عليه السلام: قال جابر وصلنا يا بن عطية، قلت بلى، قال: المسنيه، فلما احس ببرد تراب القبر صاح ياحسين ياحسين ياحسين..
ثم قال: حبيب لا يجيب حبيبه وانى لك بالجواب وقد شخبت اوداجك على اثباجك..”
لا اذكر بالضبط اخر العهد بزيارة الحسين سلام الله عليه، لكن يقينا انها كانت قبل “عاصفة الصحراء”..
لقد غابت عنا كربلاء واخبارها ربما لسنة، ولم نسمع الا عن قمع الانتفاضة وقصف القبة، لم نكُ نشاهد صورا متداولة او نقرأ تغريدات وتعليقات وبيانات شجب وادانة ومقاطع “فيديو”، قد يستغرب المواليد الحديثة ان الجيل السابق لهم عاش عصورا جليدية وحجرية..
كانت “الكريدرات” تسوي الارض، و”الشفلات” تجرف الانقاض، و”البوكلنات” تحفر، و”النقار” يهدم بعض الابنية، كانت هناك حركة عمل كبيرة وواسعة، احيط صحني المرقدين المقدسين بسياج من دعامات وقطع “الكونكريت” الجاهز..
بيوت وحسينيات مهدمة..
كان دخولنا من جهة “باب طويريج” ثم شارع العباس، ثم بدأنا نقترب شيئا فشيئا، لا نحاول أن نثير الانتباه باننا من خارج المدينة..
ان حجم الدمار لا يمكن ان تصفه الكلمات والصور، الصحن الحسيني كان كالغربال من كثرة القذائف، ينتقل بمخيلتك الى قول الراوي: كان مقدمه الشريف -الحسين عليه السلام- كالقنفذ من كثرة السيوف والسهام، “لا يأكل السرحان شلو طعينهم مما عليه من القنا المتكسر..”
كنا نطوف حول الصحن الشريف للمولى ابي عبد الله من الازقة الموازية اليه نقترب تارة ونبتعد اخرى بحسب مسار تلك الازقة، الى ان وصلنا لاقرب نقطة مطلة، وهي نهاية احد الازقة، اذكر انها كانت ما بين التل الزينبي وشارع السدرة تقريبا، لا اذكر تحديدا فالمعالم تغيرت كثيرا..
في نهاية الزقاق المطل على الصحن الشريف كانت مجموعة من الحرس الجمهوري، في اكتافهم بنادق “الكلاشنكوف النص اخمص” يرتدون “المرقط” -القدماء يذكرون ان هذا الزي لا ترتديه الا قوات خاصة-
اقتربنا منهم -نوعا ما- لم يسألنا او يعترضنا احد، لكن لا يمكن لاحد المرور الى قرب الصحن، كان هناك بعض الزوار من الشيبة والعجائز، بعضهم بسطوا فراشا خفيفا، يتناولون طعاما اعدوه للزيارة.. هذه الأجواء شجعتنا قليلا للاقتراب اكثر لقراءة بعض ما نحفظه من نصوص الزيارات..
في الواقع ان مشاهدتي كانت من زاوية واحدة، فلا اعلم ما كانت عليه الاجواء في اماكن اخرى من محيط الصحنين الشريفين، فضلا عن الاجواء الامنية قبل هذا اليوم، وهل كان الانتشار بسبب زيارة الاربعين ام ان القوات الحكومية كانت مرابطة منذ قمع الانتفاضة..
لم يكن ممكنا طرح الاسئلة على الاهالي، بل كان ذلك مستحيلا في تلك الاجواء..
عدنا الى بداية الزقاق..
اطلال وركام انقاض..
بقايا ايات قرأنية، وزخارف اسلامية.. كانت اثارا لحسينية مهدمة لم يبق منها الا بعض “الكاشيات الكربلائية” الملتصقة بالابنية المجاورة..
اردنا الوضوء والصلاة، لم نستطع طرق الابواب، اردنا شخصا يقف قريبا من داره، كانت وجوه المارة تنظر الينا بريبة، راينا رجلا متوسطا وطفلا سألنا الرجل عن مكان للوضوء، فاشار لنا الى صنبور ماء قرب باب الدخول الى باحة المنزل، لم نحرج الرجل بسؤاله عن مكان للصلاة، كانت ملامحه واضحة بانه خائف لا يريد التورط بأي شيء حتى بالحديث مع نفسه..
قد نستغرب المبالغة بالخوف والوجوم البادي على ملامح الكثيرين، لكننا لا نعلم من اية محنة خرج الكربلائيون..
ادينا صلاة الظهرين وصلاة الزيارة في “عرصة” على الارض دون سجادة او فراش او ما يقي من الارض التي كانت رطبة.. اظن ان ذلك كان بعد الظهر بساعتين او اكثر..
لا اذكر ان صديقنا الكربلائي كان معنا في الصلاة، واظن انه زار من بعيد في بداية وصولنا وعاد الى “طويريج”
لا اذكر كيف رجعنا الى بغداد..
فما بعد الزيارة لم يكن مهما.. لقد كان ذلك قبل ٣٢ عاما..
تاريخ من الزمن الغابر كان يجب ان يؤرخ كي لا ينساه اصحاب الذاكرة الضعيفة مثلي..
دعوة الى من عاصر تلك الاحداث ان لا يغادر صغيرة ولا كبيرة.. الا دونها..
كي لا تندرس تلك الاثار..
ربما يكون الجيل الحالي ليس مهتما، بل قد يتباكى بعضهم على “امجاد” الزمن الغابر الذي لم يعاصروه..
تلك الاحداث والوقائع.. نريد ان نحفظها لتعيها اذن الجيل اللاحق التي نرجو ان تكون واعية..

الواح طينية، عادل الموسوي, الاحداث والوقائع
ـــــــــــــــــ

عن الكاتب

عادل الموسوي

اترك رد إلغاء الرد

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.