دين وحياة

تولّي مسؤولية المجتمع بنموذَجَيْن من الناس، توضّحها آيات مباركات،الاول..

الكاتب قاسم العجرش


كوثر العزاوي ||

ورد في الآية ٢٠٤–١٠٦من سورة البقرة قوله “عزوجل”
{وَمِنَ النّاس مَن يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَياةِ الدُّنْيَا وَيُشْهِدُ اللّه عَلَى مَا فِي قَلْبِهِ وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصَامِ * وَإِذَا تَوَلَّى سَعَى فِي الأرْضِ لِيُفْسِدَ فِيهَا وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ وَاللهُ لاَ يُحِبُّ الْفَسَادَ * وَإِذَا قِيلَ لَهُ اتَّقِ اللّه أَخَذَتْهُ الْعِزَّةُ بِالإِثْمِ فَحَسْبُهُ جَهَنَّمُ وَلَبِئْسَ الْمِهَادُ *}
ثمة نماذج من الناس كثيرة من حيث التوجه والمقصد، فيما هناك نموذجين يكاد لا يخلو منهما زمان ولا مكان أمام مواقف الحقّ والعدل والإيمان، سنذكر أحدهما ونرجِئ الحديث عن الآخر في مقالٍ لاحقٍ أن شاءالله تعالى.
فهناك النموذج “المنافق ذو الوجهين الذي يحاول أن يستغل طيبة النّاس وبساطتهم، تراه يتكلم عن نفسه ويوحي بأنّ الذي يعايشونه طيّبٌ وصادق ونظيف، فيستسلمون لكلماته الحلوة، وأساليبه الناعمة، ومواثيقه المؤكدة، كما يوحي لهم بأنه يحمل في قلبه كلّ النوايا الخالصة والأفكار الخيّرة التي تبني للنّاس حياتهم وتوجهها إلى الطريق الحقّ والسعادة الكبيرة ولم يعرف للكذب والخداع سبيلا.
{وَمِنَ النّاس مَن يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا..}من حيث الدلالة على إخلاصه وأمانته وتخطيطه للعمل الصالح الذي يتصل بحياة النّاس في قضاياهم العامة السياسية منها والاجتماعية والاقتصادية وحتى الروحية{ وَيُشْهِدُ اللهَ عَلَى مَا فِي قَلْبِهِ..} بالقسم الغليظ والثقة الحاسمة، مما لايدع للمقابل أدنى نسبة بعدم تصديقه، ما يُخضِع النّاس له من باب قداسة الشهادة وعظمة الميثاق! ولكن مَن تَدبَّرَ آيات ربّه ووعى الدرس، لَم يقع ضحية السقوط تحت ظلال مثل هذا الصنف من الناس في المجتمع، والذي كان ومايزال سببًا في صناعة الطواغيت والوصوليين أصحاب المصالح وعشاق الذات والدنيا! ومِن هنا تأتي ضرورة الوعي والبصيرة، لذا نجد الآية المباركة توضّح الصورة من الزاوية الأخرى لتسلط الضوء على باطن ذلك النموذج لتعرّفنا حقيقة حياته الداخلية، فتقول:
{وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصَامِ..}، أي، رغم أنه أقسمَ بأغلظ الأَيمان، لكنه في الحقيقة شديد الجدال والعداوة والعناد للمسلمين وللحقّ، بعد أن هيمنَ على عقولهم وأقنَعَهُم وهو المبالِغ والشديد الخصومة في واقعه وفي منطلقاته الفكرية والروحية التي لم يتعرّف النّاس عليها إلاّ من خلال التجربة والنزول إلى الساحة العملية حينما يُظهِر ما يبطِنهُ من المعاني السيئة الشريرة التي تختَبِىء خلفَ قناع الوجه الذي يمثّل الصدق والوداعة، أو عِبر الكلمة التي تمثّل الحقّ والبراءة، ليكون ذلك مطية إلى ما يريده من جاهٍ ومالٍ وشهوة ومنصِب، حتى إذا استقام له الأمر، وجرَت الدنيا بين يديه وانفصل عن جوّ التمثيل، انطلق بعيدًا وابتعدَ كثيرًا عن كلّ ما كان يقوله ويؤكّده وأقسَمَ عليه، ليتحرّك في الأجواء الطاغية الباغية المتصالِحة مع نفسه فقط،
{وَإِذَا تَوَلَّى..} ونال ولاية معينة أو وصلَ إلى موقعٍ قيادي يطمح إليه، من أجل الحصول على النتائج النفسية والمادية وفق حساباته الخاصة، وبعد كسب ثقة النّاس وأحراز تأييدهم، فأصبح رمزًا دينيًا أو سياسيًا أو اجتماعيًا يُشار إليه، وصارَ علَمًا تجري النّاس من خلفهِ تابعين له..{سَعَى فِي الأرْضِ لِيُفْسِدَ فِيهَا وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ..}عندئذ يتجلى معدن الرجال بما يثيره من المشاكل والمنازعات وإثارة الشحناء بالوسائل المختلفة على مستوى الفرد والمجتمع وقد تشمل المجالات التي تُفسِد واقع النّاس الأخلاقي والسياسي والاجتماعي والاقتصادي والأمني،ثم يمتد في طغيانه جذلان مسرورًا بعيدًا عن رضا الله ومحبته والتفكير به ناسيًا أو متناسيًا ماقد أشهَدَ عليه الله قبل تولّيه ولاية أو أمارة ما!!
{وَاللهُ لاَ يُحِبُّ الْفَسَادَ} لانه”سبحانه” هو الرؤوف بعباده، وما يريده للحياة أن تسير في أجواء الخير والاستقامة والعفة والصلاح لتنمّي خيراتها وتطوّر مجتمعاتها وترتقي بالإنسان إلى الدرجات العلى في انسانيته وعقله وروحه وحركته،
{وَإِذَا قِيلَ لَهُ اتَّقِ اللهَ..} وواجهه الناقدون لينصحوه، ويُبيّنوا له خطأَ السبيل التي يسير فيها، ويرشدوه إلى خطّ التقوى الذي يدفعه إلى مراقبة الله في كلّ شؤون الحكم والحياة، تراه يمتعض و{أَخَذَتْهُ الْعِزَّةُ بِالإِثْمِ..} فلم يستمع للنصائح، بل تمادى في طغيانه واستعلى واستكبر، في عملية إيحاءٍ كاذب وكَذِبٌ على نفسه وعلى الناس بأنه فوق مستوى النقد والشبهات، وهو مَن يعطي للآخرين خطة العمل ويحدّد مسيرة الحياة وعلى الجميع طاعته رغم فساده، فمثل هذا النموذج كما بيّنت الآية مصيره الذي ينال ب{ فَحَسْبُهُ جَهَنَّمُ وَلَبِئْسَ الْمِهَادُ} الذي مهّده لنفسه بعمله وغفلته وإعجابه بنفسه!
وهذه الصورة إنما تمثّل سمات شخصية المنافق الواقعية، والتي يتحرّك بها في الحقول العملية ضمن الدِّين والسياسة والأجتماع والتربية في كلّ زمان ومكان، وهو مستعد لبيع نفسه للشيطان في كلّ مايمكِنهُ من التواءٍ وانحراف وإغراء وإعجاب بالنفس، لأجل الوصول الى مآربه في غمرة جهل عوام الناس فيرفعونهُ ليصنعوا منه طاغوتًا يؤدي بهم إلى الدمار والتراجع من حيث لا يشعرون!..
يتبع..


٢٤ربيع الثاني ١٤٤٤هج
٢٠-١١-٢٠٢٢م

………………………………………..

عن الكاتب

قاسم العجرش

كاتب وإعلامي عراقي ـ بغداد/ رئيس التحرير

اترك رد إلغاء الرد

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.