مقالات

حصار غير معلن..!

الكاتب سارة سلام

سارة سلام ||

غالبا ما يبقى الانسان حبيس الايام الصعبة التي يقاسي فيها، يبقى يتحدث عنها بقدر تؤلمها منها، ربما الامر خاضعٌ لمعايير نفسية تحتاج لفرق من البحث، اذ لا تزال احاديث البيوت العراقية عن فترة تجفيف الباذنجان وجمع الكمأ الذي كان بديلا عن اللحم، وحلوى “المدكوكة” التي يلا يعرف جيل الـــ “سنيكرز والبابوروتي” عنها شيئاً، ناهيك عن رحلة البحث المطولة بين ثنايا قطع “الپالة” التي كانت بديلا عن ماركات zara و lc المنتشرة في المولات الضخمة التي ملئت العاصمة بغداد، كان الاصعب من ذلك ان تبيع الامهات مقتنيات منزلها من اواني وقطع اثاث كي تسد جوع عائلتها.
الذي عاش فترة التسعينيات لن تُمحى من ذاكرته مشاهد الارصفة وسكك الحديد التي امتلئت بالعراقيين الذين ابتاعوا اشيائهم؛ اشياء لا تخطر لك في بال أحد، راديو عشتار، اشرطة كاسيت لحسين نعمة وداخل حسن، اجهزة فيديو منتهية الصلاحية اواني زجاجية واباريق شاي مرسوم عليها صور العائلة المالكة وعبد الكريم قاسم وروميو وجوليت، شراشف كُتب عليها نوم العافية، دمى تم صناعتها من بقايا الملابس الرثة، كان العمل بمبدأ اعادة التدوير ساريا حتى على لعب الاطفال و مستلزمات دراستهم، اذا كان الاخوة يتبادلون الملابس اذا ما كان دوامهم متفاوتاً في اليوم الواحد وهو ما يعرف بنظام الدوام المزدوج الذي لا يتجاوز الاربع ساعات في صف يكتظ بأكثر من 50 طالبا اغلبهم افترشوا الارض كون الرحلات القليلة والمتهالكة لاتسع جميع الطلبة، تخيل ان يكون طفلك في عامه الاول بالمدرسة و يفترش “كونية” في صفٍ بارد ومظلم وسط قسوة المعلمين الذين كلما قسى عليهم الحصار ازدادوا قساوة ووحشية كون التجويع هو تجويع للقيم قبل تجويع البطون، المحزن في الامر اني هذه المشاهد كانت قبل قرابة الثلاثين عاماً ما الذي يجعلها تزداد شدة بعد سنوات الرخاء ورفع البنود والقيود عن العراق!
هل هي ازمة الاقتصاد العالمي؟ أم انها ازمة سوء التخطيط وادارة الدولة وهي متلازمة عانى منها العراق الحديث والقديم على مختلف الحقب والانظمة التي حكمت، أم أنها فرضية القيد فبعد خروج العراق من طائلة البند السابع كانت التطلعات تتوجه الى انفراجٍ على مختلف المستويات، فبعد 30 عاما يطوي العراق صفحة صعبة من القيود والعقوبات على أمواله جراء غزو الكويت، ليبدأ صفحة جديدة بعدما أصدر مجلس الأمن الدولي بتاريخ 22\2\2022 قرارا بالإجماع يرفع بموجبه جميع العقوبات المفروضة ويسمح للاقتصاد العراقي بالانطلاق بحرية، وأنهى القرار بذلك تفويض لجنة الأمم المتحدة الخاصة بالتعويضات عن الأضرار الناجمة عن غزو العراق للكويت عام 1990، وذلك بعد تسديد العراق كامل المبالغ المفروضة عليه التي بلغت 52.4 مليار دولار، الامر الذي كان من المفترض ان يضع البلاد أمام فرصة جديدة لضمان استقرارها الأمني والمالي والاقتصادي والاجتماعي والدبلوماسي بعد معاناة من الضعف بسبب الوصاية الدولية.
كان هذا القرار صادر قبل احد عشر شهرا، خلالها لم يبالى الشارع العراقي الا بتذبذب اسعار صرف الدينار امام الدولار لما له من تماس مباشر مع حياة العراقيين ويومياتهم، خاصة ذوي الدخل المحدود وامتلاء العراق حد التخمة بالموظفين دون وجود بدائل دعم للاستثمار الخاص او قطاعي الزراعة والصناعة، فالاصرار على المراهنة على حماية مردودات النفط لأمن هذا البلد الاقتصادية تبقى لعبة على كف عفريت، في ظل الحروب الاقليمية والدولية حول ميزان اليورو والدولار والين، فأما هيمنة اميركية او صينية وتبقى بينهما بلدان المنطقة العربية تقبع تحت شد هذا وجذب ذاك.
وبين هذا وذاك فقدت العملة العراقية نحو 10 بالمئة من قيمتها، كما تقول صحيفة وول ستريت جورنل في تقرير نشرته قبل أيام، بعد إجراءات “غامضة” بالنسبة لكثير، تتعلق بفرض قواعد امتثال Compliance Rules على تعاملات البنك المركزي العراقي مع تجار العملة في ما يتعلق بالدولار الأميركي بسبب تذبذب سعر الصرف مؤخرا، وبموجب الإجراءات الجديدة، يتعين على المصارف العراقية تقديم تحويلات بالدولار على منصة جديدة على الإنترنت مع البنك المركزي العراقي، والتي تتم مراجعتها بعد ذلك من قبل بنك الاحتياطي الفيدرالي وهو جهاز حكومي فيدرالي، يعمل في الولايات المتحدة عمل البنوك المركزية في الدول الأخرى من العالمظن أسس في 23 ديسمبر 1913 بموجب قانون الاحتياط الفيدرالي بعد سلسلة من الأزمات المالية (وخصوصا تلك التي وقعت عام 1907) حيث برزت الحاجة إلى إخضاع النظام المالي لرقابة مركزية بهدف الحد من الآثار السلبية للأزمات الاقتصادية.على مدى الأعوام المئة منذ تأسيسه، توسعت صلاحيات ومهام الاحتياطي الفيدرالي نتيجة لأحداث مثل الكساد العظيم، والأزمة المالية العالمية، اذ ان اهم اهداف الحفاظ على توازن النظام المالي والحيول دون المخاطر النظمية في الأسواق المالية؛ لكن اي اسواق هذه هل هي الاسواق الاميركية والعالمية فحسب، أم ان العراق على طاولة الازمات كضحية ىوكجزء من الحل للحفاظ على توازن القوى.
هذه المعادلات الكبرى لا يفقهها المواطن الباحث عن قوت يومه في ظل ارتفاع اسعار ابسط المستلزمات حتى وصل الامر لربطة الخبز والتي كانت قد بدأت كأزمة كبيرة في لبنان وانتقلت شيئا فشيئا الى محيطه حتى وصلت الى العراق فسياسة الارض المحروقة بعد انتهاء ملف نشر الارهاب والفوضى بالسلاح والدماء، تنتقل هذه السياسة الى رعب الاقتصاد والحصار غير المعلن وضحاياها المواطن ليس الا.


عن الكاتب

سارة سلام

اترك رد إلغاء الرد

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.