ثقافية

لماذا لم يبنِ الرافدينيون اهرامات ؟؟

علي عنبر السعدي ||

الحضارة الرافدينية رغم اسبقيتها الزمنية ومقدار ما صنعته من منجزات تركت أثرها على الحضارات اللاحقة(*) ،ورغم تقدمهم في العلوم الذي مازال موضع تساؤل وحيرة علمية ، الا انهم لم يبنوا نصباً ضخماً لقبور ملوكهم كالأهرامات ، رغم ان الجبال كانت تحيط بهم من ثلاث جهات ،ووسائل نقل الأحجار متوافرة ،سواء بما بنوه من سفن ،أو بعد اكتشافهم للعجلات ، خاصة مع براعتهم في الهندسة وبنائهم الزقورات قبل ظهور الاهرام في مصر بقرون .
هناك أكثر من سبب لذلك ، يمكن اختصارها بما يلي :
– فلسفة الحياة : فليس في ملوك الرافدين من أدعى أنه إله (*) وأقصى ماوصلوا إليه ، القول بالاتكال على الآلهة او بالتكليف منها ، والتركيز في أعمالهم على مايتركونه من أثر مباشر على حياة الناس لأنه سرّ خلودهم ،فمن القوانين والتشريعات ،الى النظم المدرسية والمحاكم والمراصد الفلكية ووضع التقاويم ومهنة الكتابة وتقسيم الدائرة وقانون حقوق الانسان والفصل بين السلطات – وسواها ، أي كل ما له علاقة بالحياة الدنيا .
– طبيعة المجتمع الرافديني المتعلق بالحرية ،وعدم القبول بأعمال السخرة والعبودية ،ذلك ماقاد الى اولى ثورات التاريخ ضد حاكم – اوروك 2750ق/م- ثم توالت الانتفاضات والثورات في كل العصور ، ولم يسجل طوال التاريخ العراقي انه استقام لحاكم حاول ايقاع الظلم عليه ، ومجتمع كهذا من الصعب اجباره على القيام بأعمال سخرة تستمر سنوات طويلة ويهلك فيها آلاف البشر ،من دون أن يكون لها أثر مباشر على تحسين حياتهم .
– كان الطين المصبوب على شكل قوالب والمشوي ،هوالأكثر توفراً في بيئتهم ،والأكثر سهولة في صنع قصورهم وبيوتهم وما يحتاجونه ، وبالتالي لم يجدوا ضرورة للانهماك بقطع الصخور وجرها بما تكلفه من جهد ووقت .
– الاسطورة التي ابتكروها عن خلق الانسان (من الطين خلق والى الطين يعود ) وعليه لم يخلدوا الملوك في نصب حجرية ضخمة ،بل اقصى ما توصلوا اليه ،هي المدافن العائلية ،اي بناء أو(سرداب) يخصص للأسرة على غرار ما يحصل اليوم ، وكان من تكريم المحارب أن يدفن بسلاحه وعدته ، باعتبار ان دمه وبسالته هي من تطهره .
(*) سيرة جلجامش التاريخية لاتشير الى انه ابن آلهة – كما في ملحمته – بل ملك لديه مجلسي شيوخ ومحاربين يستشيرهم عند اتخاذ قرار ،حتى اسمه جاء من بيئته(رأس الجاموس).
– نارام سين حفيد سرجون الأكدي ،حين ادعى انه إله ،اتهم بالجنون والخروج عن طاعة الآلهة ، ولم يكررها ملك آخر ،عكس الفراعنة الذين تصرفوا كآلهة وعوملوا باعتبارهم آلهة ، لذا لم يشهدوا قيام ثورات ضدهم كما في الحضارة الرافدينية .
(*)-يقول”ول ديورانت ” عن بلاد سومر :
“على هذا المسرح ، الآهل بالسكان و بالثقافات المتبادلة نشأت الزراعة والتجارة ، والخيل المستأنسة والمركبات ، وسكت النقود ، وكتبت خطابات الاعتماد ، ونشأت الحرف والصناعات ، والشرائع والحكومات ، وعلوم الرياضيات والطب ، و طرق صرف المياه ، والهندسة والفلك ، والتقويم والساعات ، وصُورت دائرة البروج ، وعُرفت الحروف الهجائية والكتابة ، وأُخترع الورق والحبر ، وألَفت الكتب وشُيدت المكتبات والمدارس ، ونشأت الآداب والموسيقى والنحت وهندسة البناء ، وصنع الخزف المطلي المصقول والأثاث الدقيق الجميل ، ونشأت عقيدة التوحيد و وحدة الزواج ، واستخدمت أدهان التجميل والحلى.. وفُرضت ضريبة الدخل ، واُستخدمت المرضعات ، وشربت الخمور.
عُرفت هذه الأشياء كلها في سومر و من ثم استمدت منها أوروبا وأمريكا ثقافتهما على مدى القرون و لذلك تُعد الحضارة السومرية مهداً لكل حضارات العالم”
المصدر : كتاب “قصة الحضارة” المجلد الاول طبعة 2001 –


ــــــــــــــــــــ

عن الكاتب

علي عنبر السعدي

اترك رد إلغاء الرد

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.