مقالات

الموسوية والقارونية بين التحول والثبات

الكاتب محمد الكعبي

محمد الكعبي ||

قارون هذه الشخصية التي ذكرت في سياق الحدث الموسوي ورحلته في اسقاط الطاغية الفرعوني قارون الذي واكب موسى النبي (عليه السلام) في صراعه وكان من اصحاب المقابر الجماعية وكان ينتمي لقوم تبقر بطون نساءهم وتعلق في السجون وكان من قوم تنتهك عذرية بناتهم في اقبية السراديب المظلمة ، من قوم عاشوا الفقر والحاجة، انه ابن المحنة والشدة والظلم وشاهد بعينه كل الفظاعات وعاش رحلة المخاطر التي خاضها الثوار المنتمون الى موسى وهارون(عليهما السلام) والشباب المؤمن معهم وعاش مراحلها الأولى بكل تفاصيلها، وكان يسمى المنوّر لحسن صوته عندما يقرأ التوراة ..
فظهر – قارون- على مسرح الحياة وأخذ البطولة في مسرحية جسدت صراع الانسان وانقلاب المفاهيم والمبادئ وانعكاسها على السلوك الخارجي.
القرآن يثبت إن قارون لم يكن فرعوني العرق بل كان اسرائيليا من الطبقة المستضعفة وعاصر الحركة الفرعونية وطغيانها بكل ارهاصاتها، و تربطه علاقة قرابة بموسى، عجيب امرك ياقارون كل هذا كان امام عينيك وحينما تصل الامور اليك تمارس دور فرعون على اهلك،{ إِنَّ قَارُونَ كَانَ مِنْ قَوْمِ مُوسَى فَبَغَى عَلَيْهِمْ…}، نعم، إن قارون الامثولة الحية لطغيان المستضعفين عندما تصل اليهم الدنيا وتفتح ذراعيها لهم، حتى وصل به الطغيان أن ينكر الله تعالى وقدرته ويحرض الناس ويدعوهم إلى عدم الإيمان بشريعة موسى(عليه السلام)، ويتهمه بالكذب والسحر، ويتآمر على ابناء جلدته، نعم ما زلنا مع قارون النوعي (القانون التاريخي المكرر في كل عصر) لا قارون الشخصي، فان قارون الشخص ذهب في رحلة الزمان والمكان وبقي قارون العصور النوعي يتجسد أمامنا في كل زمان بشكله التاريخي وبنفس افكاره وتصرفاته .
ما هذه الثروة العظيمة التي يملكها هذا الرجل؟
الان سوف نحيل ملف قارون للنزاهة لتسأله من أين لك هذا؟
الجواب الاول: إن قارون من خلال قربه من موسى (ع) تعلم بعض العلوم الغريبة ومنها اسرار الكيمياء فتمكن عبر عمليات كيمائية معقدة من تحويل النحاس إلى ذهب، أو من تحويل الاموال إلى الخارج عن طريق البنوك الاهلية وغيرها من طرق الكيمياء واستثمارها في الداخل والخارج.
الجواب الثاني: وهذا يرتبط بقارون النوعي اكثر من ارتباطه بقارون الشخصي ولكن يحتاج لمقدمة: من خلال تسويق عناوين براقة، مثل حقوق الانسان، المساواة، حقوق الاقليات، وغيرها، في محاولة لتغبية الجماهير وتدجينها، فالمجتمع الفرعوني كانت فيه اغلبية فرعونية واقليه اسرائيلية مضطهدة، ليس لها تمثيل حقيقي في البرلمان الفرعوني، الذي سماه القرآن بالملا، ومن عادة الطواغيت، انشاء برلمانات شكلية، ولعل تعبير القرآن (بالملا) فيه رمزية الى انهم مسلوبو الارادة، والاقلية الاسرائيلية لم تكن اقليه ساكتة بل كان فيها من الشباب الثوري مع موسى النبي (عليه السلام)، ما يقلق فرعون، وقد أشار القرآن لهؤلاء الشباب في قوله تعالى{ فَمَا آمَنَ لِمُوسَىٰ إِلَّا ذُرِّيَّةٌ مِن قَوْمِهِ} ، هؤلاء الذرية كانوا الطليعة المؤمنة فكان هناك حراك ثوري مقرون بفكر اصلاحي ديني يقوده موسى النبي، وهذا سبب قلقا لفرعون، فحاول ان يعطي تمثيلا – ولو ظاهريا – للاسرائيلين من خلال قارون، واستمالتهم لجهة السلطة الحاكمة، هنا يقف قارون بين التمثيل الحقيقي للأقلية المضطهدة أو الانصهار بالمشروع الفرعوني، أو يكون ازدواجيا، قدم بالحكومة وأخرى بالمعارضة، فكان اسرائيلي العقيدة فرعوني السياسة، فاستغل الوضع وسيطر على اهم المقاولات والمنافذ والمطارات، وتجهيز الجيش والتموين والنقل، والاستثمار والمشاريع العملاقة الفاسدة في الداخل والخارج، وحتى العقوبة الربانية نزلت به وبداره لما يحمل من موضوعية في العقوبة {فَخَسَفْنَا بِهِ وَبِدَارِهِ الْأَرْضَ}، فتوغل قارون بكل مفاصل الدولة، بل بات اغنى من الدولة نفسها ، فهل سيكون ممثلا للمعارضة وهو بهذا الحال؟ طبعا لا، نعم هو يحتكر صوتها لكنه لايمثلها، وهل سيسمح قارون بظهور حركات حقيقية تمثل المعارضة الوطنية من منطلق الحق أم سوف يساهم بتصفيتها بحجة تمثيله لهم بالسلطة، وتمكنه من الاستيلاء على خزائن مصر بكل ما تحمل وطورها بشيطنته.
لماذا انقلب قارون وتحول هذا التحول الرهيب، وقد كان في صفوف المعارضة المجاهدة، فهناك آراء في سبب هذا التحول حيث يذهب البعض الى أن سبب تحوله يعود إلى : الاحساس بالنقص وحب التكبر، حب السلطة والاموال، حب الشهرة والظهور، لايملك الاستعداد المناسب لتحمل ثقل المال، الجبن والبخل، يريد التعويض، الانتقام من الماضي ونسيانه، الاعتقاد أنه الافضل، كان منافقا وعندما سمحت له الظروف ظهرت حقيقته وبرز محتواه الداخلي، انه يعيش أزمة الماضي وضعفه وتذبذبه وعدم اتزانه ، الهروب من الواقع، التنصل عن موسى وشريعته لكي لا يكون ملزما بتعاليمها والتي لا تنسجم مع تطلعاته، كما حدث مع ثعلبه في زمن النبي (ص)، تغافله أنه مخلوق ضعيف قصير العمر طويل الامل،
النشوة وتعلق النفس في عالم المادة، الخوف من الرجوع إلى الماضي بكل ارهاصاته، البطانة (الحواشي) التي كانت تحيط به، فكان لها دور في مسرح الحياة، وهؤلاء دورهم في مسرح الحياة لا ينتهي، فتخيل قارون انه هو المنعم على نفسه ، الغرور، الكبرياء، ، التكبر والاستعلاء على الناس وعلى الله تعالى، أراد ان يعيش دور الفراعنة ويلبس لباسهم ليتناسى تاريخه السابق ويتنصل عن حقيقته ومجتمعه، كما نشاهد الكثير من هذه النماذج في حياتنا اليومية، الاحساس بعدم الحاجة إلى الله تعالى وما عنده لا ينفد، قد تجتمع كلها في شخصية قارون حتى وصل الى حالة البغي، وكلها من مكائد الشيطان وضعف الانسان، فكم قارون مر بنا عبر التاريخ؟ والقارونيون كثر، ومستمرون حتى يرث الله الأرض ومن عليها.

ــــــــــــــــــــ

عن الكاتب

محمد الكعبي

اترك رد إلغاء الرد

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.