دين وحياة

العصمة في قعر السجون..


كوثر العزاوي ||

لعلّي لستُ ممّن يتجرَّأ في خوض غمار المعصوم ليكتب فيه! وأنَّ قلمي ليتصاغر أمام من كتبوا ودوَّنوا عن حياة آل محمد “عليهم السلام” وسيرتهم، ولكن وجدتُ إحساسًا خاصًا يدفعني ويلحّ عليّ وأنا أنعى مولاي وأتذكر سجنه لأرمي قطرة سجني في زمن طاغية هو امتداد لطواغيت بني العباس
لتمتزج في بحر معاناة سجنه “عليه السلام “حيث طوامير اللارشيد في عصر جبابرة بني العباس؛ علّي أحضى بنفحةٍ قدسية من نسيم صبره وكظمه! تَهبُّ على قلبِ يتيمة قد أوجعتها سياط الدهر الخؤون! وأثناء المسير باتجاه كعبة الصبر التي أحالت تلك المطامير إلى روضة من رياض اللطف الإلهي، باقية على مرّ السنين، مشكاةُ نورٍ للضالين، وموئلاً للخائفين، ورعبًا للظالمين.
حريّ بنا اليوم أن نطيل المكوث عند أعتاب باب الحوائج كاظم الغيظ، وأن نُطلِق العنان لآهاتٍ تكسّرت بين أضلعنا، لتنفث الأنفاس، وتُلثِم أبواب الله التي منه يُؤتى، لأنها محالّ الرحمة، وفيض الشفاعة، فتهيم عندها الأرواح، وترتوي من ينبوع الحكمة ماينير طريقها في شتى ميادين الحياة، كما أنها فسحةٌ لاستلهام الدرس والعبرة من جميل السّمات الفذّة التي تميّزت بها شخصيّته “عليه السلام”، كونه المعصوم وهو محض نور في حياة البشرية، إلّا أنّ حياة الإمام الكاظم “عليه السلام” بجميع أبعادها تتميّز بالصلابة في الحقّ، والصمود أمام الأحداث، حتى أنه صار سراجًا يضيء في المطامير المظلمة، خلال التنقّل به من سجن إلى سجن!
حتى أصبحت أنصع سِماته وضوحا “كظم الغيظ وسمة الصبر”!
الصبر على الأحداث الجسام، والمحن الشاقّة التي لاقاها من طواغيت عصره الذين تمادَوا في تعذيبه ولم يرعَوا لرسول الله حرمة، وهو من العترة الطاهرة ومن الشجرة النبوية الباسقة، والدوحة العلوية اليانعة، ومحطّ علم الرسول “صلى الله عليه وآله” وباب من أبواب الوحي والايمان ومعدن من معادن الرحمة “وماذا بعد الحق الا الضلال”
وثمة حقيقة ناصعة في حياة إمامنا الكاظم “عليه السلام”، على كل موالٍ أن يعيها ويُطبقها بشكل واقعيّ ليصل الى السعادة مستلهمًا الدرس الأروع من سيرته “عليه السلام”
الا وهو الارتباط الحقيقي بالله ومطلق الثقة به “عزوجل” والتعامل مع هذه الحياة على أنها دار ممرّ لاراحة فيها ولاقرار وأن الدار الآخرة هي دار القرار، وإن الفناء في سبيل الحق والدفاع عنه وتحمّل المشاق لأجله، لهي السعادة والانشراح ، ولهذا نجد الامام الكاظم “عليه السلام” يضرب للناس أروع مثل في تحقيق السعادة والتعالي بالنفس على كل مافي هذه الحياة الفانية بارتباطه بالمطلق “عزوجل” ليجعل من السجن نعمة كبيرة يَشكر الله عليها فيقول مخاطبا ربّه عند دخوله السجن:
(اللهم أنك تعلم، طالما سألتك أن تفرغني لعبادتك، اللهم وقد فعلت ، فلك الحمد) فسلامٌ عليك أيها الآية العظمى، سلام كاظم الغيظ راهب آل محمد “عليهم السلام”

٢٤رجب الأصب١٤٤٣هج
٢٦-٢-٢٠٢٢ م

عن الكاتب

كوثر العزاوي

اترك رد إلغاء الرد

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.