دراسات و بحوث

الطاغوت..


جمعة العطواني ||

الفصل الاول
المبحث الاول

هو كل ذي طغيان على الله، فكل ما عبد من دون الله، ورضي بالعبادة من معبود او متبوع اومطاع في غير طاعة الله ورسوله فهو طاغوت().
والإنسان لايصيرمؤمنا بالله الا بالكفر بالطاغوت، لقوله تعالى (فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَىٰ لَا انْفِصَامَ لَهَا ۗ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ)().
والطواغيت يحكمون بغير ما انزل الله تعالى لقوله تعالى (أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنزِلَ مِن قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَن يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَن يَكْفُرُوا بِهِ وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَن يُضِلَّهُمْ ضَلَالًا بَعِيدًا)().
من هذا يتبين ان الطاغوت هو كل حكم بغير ما اراد الله تعالى، بمعنى اخر انه النظام الذي لا يتربط بحكم وقوانين الله التي انزلها للناس، فطاعة الطاغوت هو تبعية الناس لحكمه وقوانينه التي تتعارض مع قوانين الله تعالى واحكامه .
لهذا يقول الله تعالى في كتابه العزيز (يُرِيدُونَ أَن يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَن يَكْفُرُوا بِهِ)().
فالتحاكم هو الترافع في الخصومات والحكم فيها، اما ان يكون التحاكم الى الله تعالى او الى غيره، وكل ماعدا احكام الله فهي احكام طاغوتية، وكل الاحكام الطاغويتة فهي كفر بالله تعالى، ولهذا يؤكد القرآن الكريم حقيقة اوضح من الشمس في رابعة النهار وهي (وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ)().
نعم الطاغوت يشمل كل شيء بعيد عن الله تعالى سواء في العبادة او في المعاملة او الاحكام والقضاء وتدبير الامر.
فطاعة الطاغوت قد تكون بعبادة غير الله، وهذا الغير قد يكون صنما او حاكما مطاعا من دون الله ومن دون احكام وقوانين دين الله. كان السيد الطباطبائي في تفسير الميزان شاملا لكل الاصناف المذكورة فيقول (الطاغوت هو التجاوز والطغيان عن الحد، ولا يخلو من مبالغة في المعنى كالملكوت والجبروت، ويستعمل فيما يحصل به الطغيان كاقسام المعبودات من دون الله، كالاصنام والشياطين والجن وائمة الضلال من الإنسان وكل متبوع لا يرضى الله تعالى باتباعه)().
وردت في القرآن الكريم ثمانية آيات تفسر المعنى المذكور للطاغوت وشموليته للاصناف الى ذكرناها وهذه الآيات هي:
(فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَىٰ)().
الكفر بالله تعالى حيث تنص الاية على (وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِيَاؤُهُمُ الطَّاغُوتُ)().
الترافع والتحاكم والوقوف مع جبهة الباطل ضد سبيل الله ومنهاجه وشرعته (وَالَّذِينَ كَفَرُوا يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ الطَّاغُوتِ)().
(يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ)().
(قُلْ هَلْ أُنَبِّئُكُمْ بِشَرٍّ مِنْ ذَٰلِكَ مَثُوبَةً عِنْدَ اللَّهِ ۚ مَنْ لَعَنَهُ اللَّهُ وَغَضِبَ عَلَيْهِ وَجَعَلَ مِنْهُمُ الْقِرَدَةَ وَالْخَنَازِيرَ وَعَبَدَ الطَّاغُوتَۚ أُولَٰئِكَ شَرٌّ مَكَانًا وَأَضَلُّ عَنْ سَوَاءِ السَّبِيلِ)().
(وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَۖ فَمِنْهُمْ مَنْ هَدَى اللَّهُ وَمِنْهُمْ مَنْ حَقَّتْ عَلَيْهِ الضَّلَالَةُۚ فَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ)().
(وَالَّذِينَ اجْتَنَبُوا الطَّاغُوتَ أَنْ يَعْبُدُوهَا وَأَنَابُوا إِلَى اللَّهِ لَهُمُ الْبُشْرَىٰ فَبَشِّرْ عِبَادِ)().
اكثر من ذلك فان هناك ممن امن بالله تعالى لكنه يركن الى غيره فيقول (أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِ يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ)().
وفي هذا اشارة الى ان الايمان بالجبت والطاغوت حتى في داخل دائرة منظومة المؤمنين، فكيف يحصل هذا؟ يحصل من خلال طاعة احكام وارادات المتجبرين والسلاطين وحكام الجور، وكل من يحكم بغير ما انزل الله.
يشير اهل البيت عليهم السلام الى وصف الحكام والظلمة بانهم طواغيت، فيقول امير المؤمنين عليه السلام (ما أسرع صرعة الطاغي)()، و(الظالم طاغ ينتظر احدى النقمتين)().
والظالم هو كل من لم يتحرك تحت خيمة الايمان الشامل في العبادت من التوحيد والنبوة، ولم يخضع لاحكام الله التي انزلها للناس، فالقرآن الكريم يصف فرعون بانه طاغية، ويامر نبيه موسى بمواجهته، وذلك في قوله تعالى (ٱذۡهَبَآ إِلَىٰ فِرۡعَوۡنَ إِنَّهُۥ طَغَى)().
ويقول الامام الباقرعليه السلام (اياكم والولائج فان كل وليجة دوننا فهي طاغوت)().
عند الخوض في تفاصيل الطاغوت نجد القرآن الكريم يتحدث عن حقيقتة ليؤكد على انه كل ولاية لغير الله هي ولاية الطاغوت (فالبشر خلقوا فطريا ليعيشوا وفق شريعة الله. ومن يعمل على ابعاد البشر عن شريعة الله فهو طاغوت)().
وشريعة الله هي المنظومة القيمية والاخلاقية والنظام الاشمل في الحياة اجتماعيا كان او سياسيا او غيرها فقد (يكون نظاما اجتماعيا، او تشريعا يتعارض مع ما قرره الله)().
ان طاعة الطاغوت يعني بالضرورة طاعة الشيطان، وطاعة الشيطان هو كفر محض بالله تعالى، والطاغوت كما ذكرنا ليس بالضرورة ان يكون صنما او بشرا، فقد يكون مالا او هوى او عصبية، او قد يكون نفسك التي بين جنبيك، والطاغوت قد يكون مرادفا في معناه اللغوي او الاصطلاحي للشيطان، ولهذا ورد ذكر الشيطان بمعنى الطاغوت كما في قوله تعالى (ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ يُقَٰتِلُونَ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِۖ وَٱلَّذِينَ كَفَرُواْ يُقَٰتِلُونَ فِي سَبِيلِ ٱلطَّغُوتِ فَقَٰتِلُوٓاْ أَوۡلِيَآءَ ٱلشَّيۡطَٰنِۖ إِنَّ كَيۡدَ ٱلشَّيۡطَٰنِ كَانَ ضَعِيفًا)().
عندنا شياطين من الانس، وشياطين من الجن وشياطين من الكبراء ومن قوى خارجية ومن احاسيس داخلية().
وهكذا عندما يستولي الطاغوت (الحاكم او المال او الشهوة اوالجاه) على الإنسان فانه سيذله ويمتهن كرامته ويمسخ عقيدته ودينه وحتى شخصيته، دون ان يشعر، بل احيانا يتوسل باي تبرير يقنع به نفسه، او يعالج التناقضات الداخلية التي تتجاذبها نفس الإنسان .
عمرو بن الحجاج كان من كبار اصحاب امير المؤمنين عليه السلام في حرب صفين، حتى ان عينه قد(فُقِئَتْ) في الحرب، وبعد انتهاء المعركة قام معاوية بن ابي سفيان بفتح (خط التواصل) معه من خلال ارسال بعض الهدايا والاغرءات المالية، وهكذا حصل له الاستدراج، وهو يحاول ان يجد (تخريجات) وتكييفات فقهية وشرعية لتلك الاموال، فعاش حياة الترف والبذخ بدل الخشونة والكفاف.
بعد هلاك معاوية ارسل اليه يزيد ليبايعه، فقام على الفور بمبايعة يزيد بن معاوية، لانه ارتبطت دنياه بدنيا يزيد، فباع اخرته بدنياه، بل بدنيا غيره في مشاركته بقتل الامام الحسين عليه السلام.
علينا ان نتصور ان عمرو بن الحجاج الذي رفض مبايعة معاوية الذي هو اكثر دهاءا وشخصية ومكانة من يزيد ياتي ليبايع يزيد، هذا التناقض في المواقف نابع من طبيعة تغلغل الطاغوت (الشيطان) بالإنسان واستدراجه نحو الانحراف الفكري والعقائدي.
الخشية من غير الله يولد انهيار كامل بشخصية الإنسان، ويتحول من حر بفضل عبودية الله تعالى، رافضا لكل قوة غير مرتبطة بالله تعالى، الى عبد لاضعف خلق الله تعالى. ويحدثنا التاريخ عن الحجاج بن يوسف الثقفي، اذ بعث الخليفة الاموي عبد الملك بن مروان الحجاحَ الى الكوفة ، لانه كان من اكثر ولاته ولعا بسفك الدم، وصل الحجاج في عتمة الليل قبل صلاة الفجر ومعه بطانة مسلحة، ودخل المسجد والناس يتهجدون، وجلس على المنبر متنكرا، بعدها تقدم الناس نحو المنبر ليؤدوا الصلاة جامعة، والحجاج جالس لا يتكلم ولم يكشف عن وجهه.
فلما غص المسجد باهله حسر اللثام عن وجهه، ثم قام ونحى العمامة عن رأسه، وبدا خطبته بالقول:
متى اضع العمامة تعرفوني
انا ابن جلا وطلاع الثنايا
ومع انهم عرفوا ان المتكلم الحجاج، وهم باعداد كبيرة غص بها المسجد، لكن لا احد منهم قد نبس ببنت شفة.
هذا الضعف والخوف والهلع لدى الإنسان هو الذي جعل الحجاج يتسلط عليهم، لهذا يقول الله تعالى (وَمَن يُشَاقِقِ ٱلرَّسُولَ مِنۢ بَعۡدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ ٱلۡهُدَىٰ وَيَتَّبِعۡ غَيۡرَ سَبِيلِ ٱلۡمُؤۡمِنِينَ نُوَلِّهِۦ مَا تَوَلَّىٰ وَنُصۡلِهِۦ جَهَنَّمَۖ وَسَآءَتۡ مَصِيرًا)().
وهنُ القومِ وضعفُ عقيدتهم امام التهديد جعل الحجاج يتمادى اكثر الى ان تجرأ وقال (اني والله لارى ابصارا طامحة، واعناقا متطاولة ورؤوسا قد اينعت وحان قطافها، واني لصاحبها، وكاني انظر الى الدماء ترقرق بين العمائم واللحى).
ثم امر الكاتب ان يقرأ كتاب عبد الملك بن مروان الى العراقيين في تولية الحجاج فقال الكاتب (من امير المؤمنين عبد الملك بن مروان الى من في العراق…. سلام عليكم) .
فقال الحجاج للكاتب: اسكت يا غلام ! ثم قام غاضبا وقال: يا اهل العراق، يا اهل ….. واخذ يسبهم، يسلم عليكم امير المؤمنين فلا تردون عليه السلام؟ واستمر يسب ويشتم ويهدد ثم قال: يا غلام اقرا الكتاب. فلما بلغ السلام قال اهل المسجد: وعلى امير المؤمنين السلام ورحمة الله وبركاته().
هكذا هي الاثار الوضعية للحكومات الطاغويتة على الامة والمجتمع، فانها تسلخ كرامتهم وتمسخ عزتهم وابائهم، بل وتمحو دينهم، اكثر من ذلك تحولهم الى جنود للظلم والاستبداد .

عن الكاتب

جمعة العطواني

اترك رد إلغاء الرد

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.