مقالات

العباس بن علي (ع) ناصر رسالة الاسلام
الشيخ محمد الربيعي||

يقول تعالى في كتابه العزيز: {مِّنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُم مَّن قَضَىٰ نَحْبَهُ وَمِنْهُم مَّن يَنتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا} .
من مصاديق هذه الآية المباركة، أبو الفضل العباس(ع)، وهو من هؤلاء الذين نذروا أنفسهم لله، وضحوا بها في سبيل إعلاء كلمته ونصرة دينه، وعاهدوا الله على الوفاء له ولعباده الصّالحين، فقدموا أرواحهم فداءً للرسالة.
في ذكرى ايام عاشوراء و ذكرى شهادة سيدنا العباس بن علي بن ابي طالب ( ع ) ، نعيش في أجواء العزّة والكرامة والشّهامة التي رسمها العباس(ع) بدمائه الطاهرة، ونعيش الإباء ورفض الظّلم، والتعالي عن الصّغائر، والتضحية في سبيل الهدف الأسمى، وهو رضا الله تعالى.
نعم انه بطل بني هاشم، العباس بن عليّ (ع)، هذا البطل الإسلاميّ الكبير الّذي لم يتجسَّد إقدامه في موقعة كربلاء فحسب، بل في علمه ووعيه وثباته وروحانيّته أيضاً… وكيف لا يكون كذلك، وهو الّذي عاش مع أبيه عليّ (ع) في طفولته وأوَّل شبابه، وعاش مع أخويه الحسنين (ع) كلّ أجواء العلم والروحانيّة والسّداد، وما يفتح عقول النّاس على الحقّ، وقلوبهم على المحبّة، وحياتهم على الخير.
كان العبّاس(ع) خلاصة عليّ والحسن والحسين (ع)، في معنى الوعي والروحانيّة، وفي حركة العلم وثبات الموقف وصلابة الإيمان ونفاذ البصيرة، كان ذلك كلّه، ولم يكن مجرّد مجاهد نذكره في جهاده…” ، ولا “مجرَّد بطلٍ نعتزّ ببطولته، ولكنّ بطولته الإراديّة أعظم من بطولته الجسديَّة، لأنَّ قضيَّة أن يعيش الإنسان بطولة الإرادة والموقف والتّضحية في سبيل مبدئه، هي البطولة كلّ البطولة، وإنَّ قيمة البطولة الجسديّة إنما هي في أن تتحرَّك في خطّ البطولة الروحيَّة، لأنّ الإنسان بعقيدته ومبدئه وموقفه، وقد قال الإمام الصّادق (ع) وهو يتحدَّث عن العباس في وعيه وصلابة إيمانه: “إنَّ عمَّنا العبَّاس نافذ البصيرة، صلب الإيمان، جاهد مع أبي عبد الله الحسين (ع) وأبلى بلاءً حسناً ومضى شهيداً” .
اذن في اجواء عاشوراء ، في أجواء الإمام الحسين(ع)، نلتقي بالرّجل الكبير أبي الفضل العبّاس(ع)، هذا الإنسان الذي يقول عنه الإمام الصّادق(ع) في كلمات مختصرة، ولكنّها تعطي عناصر الشخصيّة الّتي تفسّر كلّ ما قام به العباس(ع)، مع أنَّ التاريخ لم يحدّثنا عن الكثير من تفاصيل حياته: “كان عمّنا العباس نافذ البصيرة”، فلقد كان يتمتع ببصيرة في عقله يبصر بها الحقّ، وبصيرة في قلبه يبصر بها مواطن الإحساس والشّعور والعاطفة، فيما يحبّه الله ويرضاه من الجانب العاطفي للإنسان، وكان يملك البصيرة في حركته في الحياة، عندما يواجه الخطّ المستقيم والخطّ المنحرف.
وكان “نافذ البصيرة، صلب الإيمان”، فلم يكن إيمانه الإيمان الّذي يمكن أن يهتزّ أمام التحدّيات، سواء كانت تحدّيات الترغيب أو الترهيب، ولذلك عندما نادى (الشِّمر): أين بنو أختنا؟ أين العبّاس وإخوته؟ لأنه كانت هناك خؤولة تربطه به، نرى أنّ العباس رفض أن يستجيب، ولكنّ الإمام الحسين(ع) قال لهم: استجيبوا له، فإنه بعض أخوالكم، وإن كان فاسقاً.. وعندما طرح عليه الشّمر الأمان، ردَّ عليه بكلامٍ قاسٍ، ليؤكِّد له أنّ القضيّة ليست قضيّة أمان وبحث عن الحياة الوادعة الرخيَّة، ولكنّها قضية رسالة نبحث عن حركتها في الواقع.
وجاهد مع أبي عبدالله الحسين(ع) وأبلى بلاءً حسناً ومضى شهيداً، ونحن نقرأ في الزيارة: “السّلام على العبد الصَّالح المطيع لله ولرسوله ولأمير المؤمنين وللحسن والحسين، فنِعْمَ الأخ المواسي .
فالإمام الحسين(ع) هناك يقول: “خرجت لطلب الإصلاح في أمَّة جدّي”، في خطّ الدعوة.
والعبّاس هنا يطلقها دفاعاً عن خطّ الدعوة أيضاً، فعندما وصلت الأمور حدّاً أنّ الدّين يواجه التحدّيات التي تريد إسقاطه، وقف العباس(ع) محامياً وذابّاً ومدافعاً: “إنّي أحامي أبداً عن ديني”، ليبيّن أنَّ هذه الحركة إنما كانت حركة إصلاح في أمَّة رسول الله(ص) وحمايةً للدّين، “وعن إمامٍ صادق اليقين”، ولم يقُل عن أخي، لأنّ القضية في وعي العباس وفي وجدانه، لم تكن قضيّة أخوّة يدافع عنها، ولكنّها كانت قضيّة قيادة يدافع عن حركتها وعن رسالتها في حركة التحدّيات التي واجهها.
وعن إمامٍ صادقِ اليقينِ نجلِ النّبيِّ الطّاهرِ الأمينِ”
“إنَّ المشكلة في التّاريخ، أنّه لا يحدِّثك عن العبّاس إلّا في بعض مواقع كربلاء، ولكنَّك عندما تنفذ إلى هذه الشّخصيَّة من خلال كلمةٍ هنا وكلمةٍ هناك، وموقفٍ هنا وموقفٍ هناك، فإنَّك تشعر بأنَّك عندما تذكر العبَّاس ترتفع، لتجد معنى شباب الإسلام في شبابه، ومعنى عنفوان الإسلام في عنفوانه، ومعنى إيثار الإسلام في إيثاره، ومعنى الأخلاقيّة المنفتحة على الله والمتحرّكة في حياة النّاس في أخلاقيّاته” .
“كان العبّاس (ع) فرحاً بشهادته وبجهاده، وكان يعيش الفرح في إرادته القويّة الرّائعة، عندما كان العطش يفترس شرايينه كلّها، والماء البارد بين يديه، ولكنّه رفض أن يشرب منه، لأنه عاش الحسين (ع) في عطشه كلّه، وعاش أولئك العطاشى من أهل بيته، وتلك قمّة الإيثار في حركة الإحساس بالآخر، وهو أن تعيش الإيثار للآخر في منطقة الشّعور، فتمنع نفسك مما هو محروم منه، لأنّك لا تستطيع أن تقدّم له شيئاً”.
“فهل تحبّونه؟ قد تذرفون الدّموع عليه، وقد تعيشون العنفوان في الحديث عن بطولته، ولكن كم من عبّاسٍ عندنا يحامي عن دينه؟ وكم من عبّاسٍ نافذ البصيرة في معنى الإسلام على مستوى الفكر والعاطفة والحياة؟ وكم من عبّاسٍ يقف في السّاحة قويّاً صلباً، فحتّى لو أصيبت السّاحة كلّها بالهزاهز والزّلازل، فإنَّه لا تأخذه في الله لومة لائم؟” .
اللهم احفظ الاسلام و اهله
اللهم احفظ العراق و اهله

عن الكاتب

الشيخ محمد الربيعي

اترك رد إلغاء الرد

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.