الخميس - 20 يونيو 2024
منذ سنة واحدة
الخميس - 20 يونيو 2024


نعيم الهاشمي الخفاجي ||


الأمم الحية تفتخر بشهدائها، بل إن الشهداء العظام يكون لهم جزء مهم في صناعة أي حضارة، الحضارات تقام من خلال القيم العظيمة، وامجاد الأمم تتم من خلال التضحية من أجل القيم المحترمة، وليس التضحية بدون أهداف ابدا، الذي يقدم نفسه شهيد لهدف حماية الآخرين وصون كرامتهم، فهو بذلك قد سلك أفضل الطرق الإنسانية للتضحية بالنفس من اجل الاخرين، وهذه التضحية في قمة الانسانية، الشهداء مشاعل نور لاضائة طرق المناضلين من أجل الحرية والعدالة والمساواة.
عندما يقدم جزء من المجتمع حياتهم للدفاع عن الوطن، فهؤلاء الناس قد قدموا أرقى المعاني الوطنية، عندما يصل الأعداء والتكفيريين أعداء الحضارة والانسانية إلى أسوار بغداد ويعلنون أنهم يستبيحون كربلاء والنجف ويدنسون قبر الإمام علي ع وقبر الإمام الحسين ع وسائر قبور أئمة آل البيت ع ويهب الشرفاء للدفاع ومقابلة التكفيريين في أسلحتهم الشخصية، فهذه المواقف مواقف شريفة تبقى في الذاكرة، عندما أعلنت المرجعية العليا فتوى الجهاد الكفائي وشاهدنا ملايين الناس شباب وشيوخ كبار قد هبوا دون تردد نحو ساحات البطولة والعزة والكرامة، ملبين نداء مرجعيتهم للدفاع عن وطنهم بكل رجولة، هذه المواقف تعبير صادق وعملي عن حب الوطن والدفاع عنه بكل قوة وبسالة، ياسادة ياكرام اعلموا أن الامّة التي تعطي شهداء من أجل حماية مجدها وصون كرامتها هي امّةٌ حيّة، وأن الامّة التي لا تحترم الشهداء وتحاول الانتقاص منهم هي امّةٌ ميّتة يكون مصيرها السقوط.
حضارة أي شعب أو أمة تُقاس بماضي وتراث هذه الامة، العودة للماضي لايعني إشعال الفتن، وإنما الاستفادة من تجارب الآباء والأجداد والاستفادة من أخطائهم لعدم تكرارها، والاستفادة من تضحيات الرموز والأبطال الذين ضحوا بالغالي والنفيس من أجل حماية الوطن والعقيدة والدين والمحافظة على القيم الانسانية، تراث الأمة يضم نتاج العلماء والأدباء والشعراء والفنانين، الذين ضحوا ووقفوا بوجه الطغاة والقتلة والمجرمين ٍفثراء الأمم كما يقول ريتشارد هوفي ، ليس في قطنها أو حريرها أو ذهبها، إنما هو في رجالها.
لذلك الأمة التي تحترم عظمائها يحترمها الجميع، هذا علي بن أبي طالب على سبيل المثال لم يمجِّده جزا كبير من أبناء أمة الإسلام، وتم سرقة مناقبه وألقابه بأمر من معاوية الضال، ونسبت إلى ناس ظلما وزورا، بل أصبح عندما تذكر الإمام علي ع في مجالس الكثير من العالم السني العربي الانظار تتجه إليك، حدثني صديق فلسطيني متشيع يقول اذا تم ذكر علي ع بمجالسنا مرة مرتين يأتيه الرد لاداعي في الكلام حول علي ع لأن ذلك يفتح الباب لنقد سلفنا الصالح، رغم التعتيم لكن مجدّه الأعداء قبل الأصدقاء، ونفسه أحمد بن حنبل قال، ما جاء لاحد من أصحاب رسول الله من الفضائل كما جاء لعلي بن أبي طالب، المصدر المستدرك على الصحيحين للحاكم ج 3 ص 107 المناقب للخوارزمي ص الثالثة والصفحة ١٩.
ذُكر في شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد : ( وما أقول في رجل تحبه أهل الذمة على تكذيبهم بالنبوة ، وتعظمه الفلاسفة على معاندتهم لأهل الملة ، وتصور ملوك الفرنج والروم صورته في بيعها وبيوت عباداتها ، وتصور ملوك الترك والديلم صورته على أسيافها ، وما أقول في رجل أقر له أعداؤه وخصومه بالفضل ، ولم يمكنهم جحد مناقبه ولا كتمان فضائله ، فقد علمت أنه استولى بنو أمية على سلطان الإسلام في شرق الأرض وغربها ، واجتهدوا بكل حيلة في إطفاء نوره والتحريف عليه ووضع المعايب والمثالب له ، ولعنوه على جميع المنابر ، وتوعدوا مادحيه بل حبسوهم وقتلوهم ، ومنعوا من رواية حديث يتضمن له فضيلة أو يرفع له ذكراً ، حتى حظروا أن يسمى أحد باسمه ، فما زاده ذلك إلا رفعة وسمواً ، وكان كالمسك كلما ستر انتشر عرفه ، وكلما كتم يتضوع نشره ، وكالشمس لا تستر بالراح ، وكضوء النهار إن حجبت عنه عينا واحدة أدركته عيون كثيرة ، وما أقول في رجل تعزى إليه كل فضيلة ، وتنتهي إليه كل فرقة ، وتتجاذبه كل طائفة ، فهو رئيس الفضائل وينبوعها وأبو عذرها ).
المصدر، شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد : 1/ 29 ، 17
نعم الإمام علي ع تحترمه الأمم الغير مسلمة أكثر من المسلم الوهابي السلفي التكفيري الذي يقتل كل من هو شيعي بغضا في علي بن أبي طالب ع لذلك لا غرابة في أن تقرر الجمعية العمومية في الأمم المتحدة في تقديم الشكر إلى الإمام علي ع بسبب احترامه للاقليات الغير مسلمة، وهذا دليل على احترام الأمم لهذا العملاق الكبير الفيلسوف العظيم علي بن أبي طالب ع، كثير من الأوروبيين وبالذات من المسيحيين يحملون صور إلى علي بن أبي طالب ع يضعوها في رقابهم احتراما لهذا الشجاع العظيم.
‏من حق الأمم تفتخر بشهدائها، بل إن حياة العظماء الأبطال تبدأ ليس بيوم ولادتهم وإنما تبدأ بيوم استشهادهم على أيادي الطغاة المجرمين، بمدينتي قضلء الحي يوجد ضريح سعيد بن الجبير يقصده ملايين الناس بينما قاتله المجرم الحجاج الثقفي بقي يوصف كل طاغية في إجرام الحجاج وبقي قصر الحجاج مجرد خرائب وآثار يتعظ بها البشر في آثار واسط المنطقة النائية التي تقع بين قضاء الحي وقضاء علي الغربي في محافظة العمارة، دور الظالمين تكون دور خراب، الشهيدين الصدرين قتلهم الطاغية صدام، النتيجة ملايين الناس تحي ذكراهم ويسيرون وفق مدرستهم، الحياة مواقف، مهما الإنسان يعيش بالذل يهلك ولايجلب سوى الذكر السيء، جيفارا مناضل يساري ناضل قوى الاستعمار في كل مكان، قتل، النتيجة في عقر دار قاتليه تباع صوره منقوشة على قمصان وتي شيرتات حتى انا اشتريت لي تي شيرت من ولاية اريزونا، تحمل صورة جيفارا، الأبطال سيبقون مخلدون بالذاكرة الإنسانية ، الشيخ باقر النمر لو تاركيه آل سعود لمات وانتهى ذكره، لكن قتلوه والنتيجة كل عام تقام ذكرى استشهاده بكل أصقاع دول العالم.
لا نتفاجأ عندما نقرأ منشورات لأشخاص منبع الفكر الإرهابي يقيمون قادة شهداء أبطال يحاولون التقليل من أهميتهم ، هؤلاء يقللون من اهميتهم لأسباب طائفية منافية للاسلام، شمس الحقيقة لا تغطى بالغربال، سأل صحابة الرسول ص الإمام علي ع بحقبة خلافته كيف نعرف المؤمنين من المنافقين بعدك، لأن النبي ص قال علي مع الحق والحق مع علي، وحديث آخر رواه عمار بن ياسر عن رسول الله ص كنا نميز المؤمنين من المنافقين بعهد رسول الله ص بقدر حبهم وبغضهم إلى علي بن أبي طالب ع، فكان جواب الإمام علي ع انظروا إلى سهام الأعداء فهي ترشدكم إلى أهل الحق.
بالله عليكم هل الامر يحتاج أن نختلف على الشهداء بشهادتهم وخاصة إذا كان منفذ العملية الاغتيال طاغية متجبر يعيث بالأرض فساد وقتل.
شكسبير كتب في القرن السابع عشر ميلادي قصته الشهيرة (روميو وجولييت) فأبدع في وصف البيت الذي كان يلتقي على شرفته العاشقان، مع مرور السنوات انتشرت هذه القصة بكل أصقاع العالم، على إثر ذلك قام الانكليز في تخليد مواطنهم شكسبير من خلال إقامة ببناء ذلك البيت على إحدى الروابي، ليتحول ذلك المكان من قصة خيالية، لتراثٍ إنكليزي يذهب إليه العاشقون من كل مكان، ذات مرة كنت في جولة في العاصمة الدنماركية كوبنهاغن وكان معي الصديق الدكتور هاتف الركابي ووجدنا بناية وإذا بها بيت
صاحب موسوعة غينيس للأرقام القياسية، و الدنماركيين عاملين من بيته كمتحف يزوره مئات المواطنين والسائحين بشكل يومي.
العرب بما أن الاستعمار رسم حدودهم فهم امة للأسف لا تحترم عظمائها، هكذا هو حال العرب، المناضلين والمفكرين يكون مصيرهم السجون والقتل وإذا هربوا إلى بلدان اخرى يتم ملاحقتهم واغتيالهم، ولنا بقضية تسليم المناضل ناصر السعيد للسعودية من قبل فصائل فلسطينية وانتهى أثره بقطع رأسه واخفاء جثته، ولنا بقضية المواطن السعودي ماجد الصايغ كندا سلمته عان ١٩٩٦ للسعودية والنتيجة ضاعت جثته، الصايغ مواطن شيعي مسكين هارب من بطش الوهابية النتيجة كندا قامت بتسليمه للسعودية، الكثير من المعارضين العراقيين أمثال الشهيد الداعية السبيتي سلمتهم الأردن إلى مخابرات صدام وتم اعدامهم، وكذلك فعلتها الكويت وسلمت معارضين وتم اعدامهم، في قضاء الحي وفي ناحية محرجة تم تسليم نائب ضابط من قبل السلطات الكويتية عام ١٩٨٨ وتم اعدامه أمام عائلته وسط هتافات البعثيين الاراذل يعيش البعث والموت للخونة، الشاعر العراقي الكبيرمحمد مهدي الجواهري تم إسقاط جنسيته العراقية، اتذكر كنت طالب في الاعدادية دخل علينا مدرس اللغة العربية الاستاذ جواد عبدالكاظم عبدالعباس الإمارة من أهالي الكوت وهو يرتجف طلب منا إخراج كتاب المطالعة للصف السادس الإعدادي، قال أخرجوا صفحة كذا فتحنا الصفحة نظر إلينا وعلامة عدم الرضا واضحة على وجهه، قال القيادة أمرت في قلع هذه الصفحة التي بها قصيدة إلى محمد مهدي الجواهري، الشاعر العراقي السياب، ورغم مواقفه الطائفية ضد الشهيد عبدالكريم قاسم، لكن سلطات البعث لم تتركه، والحقيقة يبقى السياب شاعر كبير لكن من باب التذكير، فعندما توفي في الكويت وهو هارب من البعثيين، تم اعادة جثمانه إلى البصرة اكتشفوا أن السلطات البعثية قد طردت عائلته من المنزل الذي ولد وترعرع فيه، حتى باتت عائلته بدون مأوى، حاله حال الشاعر الكبير عبدالرزاق عبدالواحد اعتقلوه البعثيين واجبروه على شرب مياه المراحيض لكنه بحقبة الثمانينات مجد الطاغية صدام الجرذ، وللاسف بعد سقوط الصنم لم يقدم اعتذار للشعب ويقول لهم كنت مجبر في مدح الطاغية صدام ليتم إعطائه العذر، لذلك لانقيس بمن قبل بالذل مع من قدم نفسه شهيد من أجل أن نبقى نحن إحياء ونعيش في عز وكرامة، رحم الله شهداء العراق وشهداء الانسانية.

نعيم عاتي الهاشمي الخفاجي
كاتب وصحفي عراقي مستقل.
3/1/2023


ــــــــــــــــــــ