الأحد - 16 يونيو 2024
منذ سنة واحدة
الأحد - 16 يونيو 2024


مانع الزاملي ||

تشتق كلمة الانتهازية في معناها اللغوي من مادة (نهز) التي تعني اغتنم ، والانتهازية تعني المبادرة ، ويقال انتهز الفرصة وبادراليها ، وهي في معناها السياسي ، او الاصطلاحي، لاتختلف كثيرا عن المعنى اللغوي المشار اليه في المقدمة ، فالانسان الانتهازي هو الذي يغتنم الفرص ،ويستثمرها، ويتظاهر بالصلاح ، والحرص الكاذب، من اجل الوصول لاهداف شخصية تصب في صالحه ، حتى لو تطلب ذلك اتهام الاخرين واختلاق التهم المزيفة ، ويلبسها لباس الحق والحرص على المصلحة العامة ، والانتهازية بهذا المفهوم السلبي تتطابق مع نظرية ( الغاية تبرر الوسيلة ) التي تبناها الفيلسوف الايطالي نيكولا ميكافيلي ، واسهب في شرحها في كتابه الشهير الذي اسماه ب( الامير) واصبحت داء اصاب كل النفوس التي تنطلق من عمل اي شي من اجل الوصول للهدف ، بمعنى ان يرتكب كل شي سواء كان حقا او باطلا ، حقيقيا ام وهميا، المهم يتحقق من خلاله الهدف ، حتى لو تطلب قتل الابرياء، او خيانة الامانة، او الطعن بالاعراض او كل شي يمكن ان يمر على بال الانسان ،لذلك النهج الانتهازي الميكافيلي يسمي الكذب دهاءا ، والتعفف بلاهه ، ويسمي الصدق سذاجة ،والنصح حسد او سوء ادب ، والانضباط والتريث عن فعل الموبقات والشرور تعقيد ، وهكذا ينظر بصورة مقلوبة لكل شي حقيقي وواقعي ومقدس ،
والهدف من كل ذلك الحصول على منافع شخصية، او عائلية ،والانتهازي في نظر علماء الاجتماع هو انسان مجرد من اي مبدأ، او عقيدة اوفكرة ، ومن صفاته الخيانة والغدر للفئة او الحزب او الجماعة التي ينتمي اليها ، فهو يجيد لعب كل الادوار ، والحصول على منافع حتى لو كانت غير انسانية وغير اخلاقية ، لايردعه عن ذلك دين او حياء او عرف اجتماعي ، او قانون ، وسرعان ماينقلب على ادعاءاته ، ومن صفاته السعي للصعود على اكتاف الغير، من خلال سلوك نفاقي، حيث يتكلم ويتصرف عكس ما يضمر ، ويتظاهر بالصلاح والحرص ، لذلك اشار القران لهذه الصفة الذميمة بقوله جل علاه ( واذا لقوا الذين آمنوا قالوا آمنا واذا خلوا الى شياطينهم قالوا انما نحن مستهزئون ) اليقرة 14-15 والانتهازية تقوى وتترعرع في فترات يسود فيها الفساد والهوان في المجتمعات او في الحركات السياسية التي ينتمي لها هذا الانتهازي ، مما يشكل خطرا كبيرا فيما اذا تمكن هكذا نموذج من احتلال موقع قيادي، في اي سلم يتوصل اليه حزبيا كان او حكوميا، او في دوائر او مؤسسات معينة ، عندها يكون واجب الطليعة المثقفة المؤمنة والتي لديها بصيرة ونظرة تحليلية ثاقبة ان تسلط الضوء على هكذا نموذج وتحذير الاخرين من مكائدهم ، لان التكاثر والانشطار الذي ينبعث من هذه الشريحة، ان تمكنت من القيادة او التصدي لتوجيه الامة او الجماعة ، ستدفعهم حتما لوادي الظلام والظلال والابتعاد عن الحقيقة، ان تنامي وتطور عمل الانتهازيين، وشخوصهم تجعل من البناء وتطوير الوعي السوي والمخلص في عداد الاستحالة ، وللعلم ان كثير من الانتهازيين توصلوا لمقامات مرموقة ، في سلم قيادة الشعوب ونظرة على التاريخ ترينا الاضرار الجسام الذي سببها هذا المرض الاخلاقي، في كل زمان ومكان وحركة او دين او حزب او عشيرة او اي تجمع بشري مفترض .


ـــــــــ