السبت - 22 يونيو 2024
منذ سنة واحدة
السبت - 22 يونيو 2024


الشيخ محمد الربيعي ||

في المقارنة بين الرجل والمرأة اللّذين يعيشان في ظروف ثقافية واجتماعية وسياسية متشابهة ، أنّه من الصعب التمييز بينهما ؛ إذ ليس من الضروريّ أن يكون وعي الرجل للمسألة الثقافية و الاجتماعية و السياسية أكثر من وعي المرأة لها ، بل قد نجد نماذجَ متعدّدة لتفوّق المرأة على الرجل في سعة النظرة ، ودقّة الفكر ، وعمق الوعي ، ووضوح الرؤية ؛ وذلك من خلال ملاحظة بعض العناصر الداخلية أو الخارجية المميزة لها بشكلٍ خاص.
وهذا ما نلاحظه في بعض التجارب التاريخية التي عاشت فيها بعض النساء في ظروف متوازنة من خلال الظروف الملائمة لنشأتها العقلية والثقافية والاجتماعية.
فقد استطاعت أن تؤكّد موقعها الفاعل ومواقفها الثابتة المرتكزة إلى قاعدة الفكر والإيمان.
وهذا ما حدّثنا الله عنه في شخصيّة مريم، وامرأة فرعون، وما حدّثنا التاريخ عنه في شخصيّة خديجة الكبرى أم المؤمنين (رضي الله عنها) وفاطمة الزهراء (عليها السلام) والسيدة زينب ابنة عليّ (عليه السلام) و السيدة ام البنين ( رضي الله عنها ) .
إنّ المواقف التي تمثّلت، في حياة هؤلاء النسوة العظيمات، تؤكّد الوعي الكامل المنفتح على القضايا الكبرى التي ملأت حياتهن على مستوى حركة القوّة في الوعي والمسؤولية والمواجهة للتحدّيات المحيطة بهنّ في الساحة العامة.. وقد لا يملك الإنسان أن يفرّق بأيّة ميزة عقلية، أو إيمانية، في القضايا المشتركة بينهن وبين الرجال الذين عاشوا في مرحلتهنّ.
وإذا كان بعض الناس يتحدّث عن بعض الخصوصيات غير العادية في شخصيات هؤلاء النساء، فإنّنا لا نجد هناك خصوصية إلاّ الظروف الطبيعية التي كفلت لهن إمكانات النموّ الروحيّ والعقليّ والالتزام العملي بالمستوى الذي تتوازن فيه عناصر الشخصية بشكلٍ طبيعيّ في مسألة النموّ الذاتيّ.
ولا نستطيع إطلاق الحديث المسؤول القائل بوجود عناصر غيبيّة مميّزة تخرجهنّ عن مستوى المرأة العاديّ، لأنّ ذلك لا يخضع لأيّ إثبات قطعيّ، مع ملاحظة أنّ الله، سبحانه وتعالى، تحدّث عن اصطفاء إحدى النساء، وهي مريم (عليها السلام) من خلال الروحانية التي تميّزها والسلوك المستقيم في طاعتها لله.
وهذا واضح في ما قصَّه الله عن ملامح شخصيّتها، عندما كفلها زكريا، وعندما واجهت الموقف الصعب في حملها لعيسى (عليه السلام)، وفي ولادتها له.
وإذا كان الله قد وجَّهها من خلال الروح الذي أرسله إليها فإنّ ذلك لا يمثِّل حالة غيبيّة في الذّات بل يمثّل لطفاً إلهياً في التوجيه العمليّ والتثبيت الروحيّ، على أساس ممارستها الطبيعية للموقف في هذا الخطّ من خلال عناصرها الشخصية الإنسانية التي كانت تعاني من نقاط الضعف الإنسانيّ في داخلها، تماماً كما هي المسألة في الرجل في الحالات المماثلة.. وهذا يعني أنّنا لا نجد فرقاً بين الرجل والمرأة عند تعرُّض أيٍّ منهما للتجربة القاسية في الموقف الذي يرفضه المجتمع من دون أن يملك فيه أيّ عذر معقول؛ الأمر الذي يخرج فيه الموقف عن القائمة المتمثّلة فيه من حيث القيمة الاجتماعية السلبية في دائرة الانحراف الأخلاقي.
▪️ان الملكة سبأ نموذج من القصص القرآني
وعندما ندرس التاريخ في القصص القرآنيّ، وفي جانبٍ آخر غير الجانب الإيمانيّ، فإنّنا نجد شخصية ملكة سبأ في ما قصّه القرآن الكريم علينا من أمرها، وفي حوارها مع قومها عند وصول رسالة سليمان إليها، فقد جمعت قومها لتستشيرهم في الموقف الذي يجب أن تتّخذه من تهديد سليمان لها ولقومها ونوعية الردّ الذي تردّ به على الرسالة. ولعلّ هذا اللّجوء إلى الاستشارة يوحي بوجود عقل راجح تتميّز به شخصيّتها، وهو ما يجعلها لا تعطي الرأي الذي تملك إقراره من موقعها كملكة، إلاّ بعد استشارة أهل الرأي من قومها فيه. وهذا ما حدّثنا الله عنه، في سورة النمل:
{قَالَتْ يَا أَيُّهَا المَلَأُ إِنِّي أُلْقِيَ إِلَيَّ كِتَابٌ كَرِيمٌ*إِنَّهُ مِن سُلَيْمَانَ وَإِنَّهُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ*أَلَّا تَعْلُوا عَلَيَّ وَأْتُونِي مُسْلِمِينَ*قَالَتْ يَا أَيُّهَا المَلَأُ أَفْتُونِي فِي أَمْرِي مَا كُنتُ قَاطِعَةً أَمْراً حَتَّى تَشْهَدُونِ} [النمل : 29 إلى 32].
وهكذا أرادت من رجال قومها أن يقدِّموا الفتوى السياسية التي تعينها على استيضاح الموقف الذي ينبغي لها أن تتّخذه في المسألة الخطيرة، ولكنّهم أَرجعوا إليها الأمر، لترى رأيها، وذلك ثقة منهم برجاحة عقلها وصواب رأيها.
ولهذا جعلوها صاحبة القرار الأول والأخير.. أمّا دورهم فانحصر في تنفيذ أوامرها في ما يملكونه من القوّة والبأس الشديد في مواجهة كلّ التحدّيات التي يطلقها الملوك الآخرون ضدّ سلطانها ومواقع الحرّية في حياتهم.
{قَالُوا نَحْنُ أُوْلُوا قُوَّةٍ وَأُولُوا بَأْسٍ شَدِيدٍ وَالْأَمْرُ إِلَيْكِ فَانظُرِي مَاذَا تَأْمُرِينَ*قَالَتْ إِنَّ الْمُلُوكَ إِذَا دَخَلُوا قَرْيَةً أَفْسَدُوهَا وَجَعَلُوا أَعِزَّةَ أَهْلِهَا أَذِلَّةً وَكَذَلِكَ يَفْعَلُونَ*وَإِنِّي مُرْسِلَةٌ إِلَيْهِم بِهَدِيَّةٍ فَنَاظِرَةٌ بِمَا يَرْجِعُ الْمُرْسَلُونَ} [النمل : 33 إلى 35].
وكان رأيها عاقلاً متّزناً يرتكز إلى حسابات دقيقة توصل إلى الحلّ الأفضل للمشكلة التي لا تكون القوّة السبيل الأمثل لمعالجتها.
فلا بدّ، كما رأت الملكة، من دراسة شخصيّة سليمان والإجابة عن الأسئلة التالية: هل هو ملك يهدف إلى السيطرة الغاشمة التي تلغي وجود الآخرين وحرّيتهم في اتّخاذ قرارهم وتفسد عليهم حياتهم، وتفرض عليهم الذلّ في واقعهم المعاش كبقيّة الملوك الذين يتميّزون بهذه الخصائص الشرّيرة؟ وفي هذه الحالة لا بدّ من دراسة المسألة من حيث إمكانات الحلّ السلميّ، وتقدير حجم قوّته، وهل تستطيع مواجهته أم لا؟ وهل هو داعية حقّ ورسول هدى يمكن الدخول في حوار معه في القضايا التي يدعو إليها؟
واستقرّ رأيها على أن ترسل إليه هدية لترى الجواب في مضمونه السلميّ أو الحربيّ، القويّ أو الضعيف، فلو كان ملكاً لأمكن للهدية أن تجتذبه إذا كان حجمها كبيراً، أو تثيره إذا كانت أهدافه كبيرة في غير هذا المستوى، وإذا كان داعية حقّ فلا يتنازل تحت تأثير أيّ شيء مادّيّ مهما كان كبيراً.
وهكذا فعلت في قرارها الحاسم الذي اتّخذته، وهو قرار يدلُّ على شخصية عاقلة متّزنة تحسب للأمور حساباتها الدقيقة، قبل أن تتّخذ أيّ قرار، وتعمل على أساس استنطاق عقلها بدلاً من استشارة عاطفتها وانفعالاتها، لاسيّما إذا كانت تملك الوسائل التي تمنح هذا الانفعال القاسي فاعليته في القضية التي تهدّد عرشها، من خلال قوّة قومها وبأسهم الشديد.
إنّ القرآن يقدِّم لنا المرأة، في صور ملكة سبأ، إنسانة تملك عقلها، ولا تخضع لعاطفتها، لأنّ مسؤوليتها استطاعت إنضاج تجربتها وتقوية عقلها حتى أصبحت في مستوى يمكنها من أن تحكم الرجال الذين رأوا فيها الشخصية القوية العاقلة القادرة على إدارة شؤونهم العامّة.
ويدلُّ استنطاق هذه الصورة على إمكانية انتصار المرأة على عوامل الضعف الأنثوي الذي قد يؤثّر تأثيراً سلبياً على طريقتها في التفكير، وعلى اتّخاذها المواقف وإدارتها للأمور؛ الأمر الذي يوحي بأنّ الضعف ليس قدرها الذي لا تستطيع التخلّص منه.
وهكذا كانت نهاية المطاف أن دخلت في الإسلام مع سليمان، بعد أن اقتنعت بذلك من خلال المعجزة التي نقلت عرشها إلى موقعه، أو من خلال الحوار الذي دار بينها وبينه؛ الأمر الذي يضيف دليلاً جديداً إلى فكرتنا عن المرأة القائلة بأنّها قادرة على أن تقرِّر وتنتمي من خلال الفكر الخاضع للحسابات الدقيقة التي قد لا يملكها الكثيرون من الرجال.
▪️امرأة فرعون نموذج آخر
ولا بدّ، قبل أن نبحث في مسألة أخرى، بعيداً عن استعراض النماذج، من التوقُّف عند شخصية امرأة فرعون التي كانت تعيش في القِمّة من الجاه والنعيم.
ولكنّها تمرّدت على ذلك كلّه، لأنّها لم تنفتح ـــ من خلال إيمانها ـــ على هذه الحياة المستكبرة اللاهية الطاغية التي تعيش، من ناحية أولى، الأثرة والأنانية والطغيان في ما تتلهّى به من آلام المستضعفين وجوع الجائعين، وتعيش، من ناحية ثانية، التمرّد على الله والبعد عن مواقع الخير في حياة الناس.
كانت امرأة فرعون تحبّ أن تعيش إيمانها في إنسانيتها، ولكنّها لا تجد أيّة فرصة للقيام بذلك، لأنّ زوجها كان يملأ الحياة من حولها بكلّ ما هو غير إنساني في اضطهاده للمستضعفين هناك.. وهكذا انطلقت صرختها إلى الله لتعبِّر عن رفضها الروحيّ والعقليّ لكلّ ما حولها، وتطلب من الله أن يقوّيها في موقعها العمليّ، ليكون التحدّي في موقفها أكبر، ليبنيَ لها بيتاً في الجنّة تتطلّع إليه في أحلامها الإيمانية، كلّما زحفت إلى مشاعرها نقاط الضعف التي قد تعمل على أن تزلزل مواقعها ومواقفها.. ولينجّيها من فرعون وعمله لأنّها لا تطيق شخصيّته المشوّهة وعمله الاستكباريّ، ولينجّيها من القوم الظالمين الذين يحيطون به، ليتزلّفوا إليه ويدعموا ظلمه ويتحرّكوا ـــ في ساحته ـــ من أجل أن يكون الظالمون الصغار في خدمة الظالم الكبير.
وهكذا ضرب الله قصّتها مثلاً للمؤمنين والمؤمنات، لتكون القدوة لهم والأنموذج الأمثل للقوّة الإيمانية الإنسانية المتمرّدة على سلطان الظّلم بكلّ إغراءاته وملذّاته.
▪️كما ضرب الله مريم ــ من بعدها ـــ لهم مثلاً في الصفة الأخلاقية في مستوى القيمة، كما كانت الأنموذج الأمثل في التصديق بكلمات ربّها وكتبه، وفي القنوت الخاشع لله في حياتها كلّها حتّى كانت حياتها صلاة كلّها.
وهذا ما جاء في قول الله تعالى: {وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلاً لِّلَّذِينَ آمَنُوا امْرَأَةَ فِرْعَوْنَ إِذْ قَالَتْ رَبِّ ابْنِ لِي عِندَكَ بَيْتاً فِي الْجَنَّةِ وَنَجِّنِي مِن فِرْعَوْنَ وَعَمَلِهِ وَنَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ*وَمَرْيَمَ ابْنَتَ عِمْرَانَ الَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا فَنَفَخْنَا فِيهِ مِن رُّوحِنَا وَصَدَّقَتْ بِكَلِمَاتِ رَبِّهَا وَكُتُبِهِ وَكَانَتْ مِنَ الْقَانِتِينَ} [التحريم: 11 ــ 12].
المرأة المؤمنة مثال الإنسان القويّ:
نحن نعرف أنّ اعتبار المرأة المؤمنة القويّة قدوةً ومثلاً حيّاً للرجال والنساء، من المؤمنين والمؤمنات، يدلُّ دلالة واضحة على أنّ القرآن يعترف للمرأة بقدرتها على أن تكون الإنسان القويّ الذي يستعلي على كلّ مواقع السقوط، ويتمرّد على كلّ نوازع الضعف.. الأمر الذي يدلّ على أنّ المرأة، في نموذجها الأمثل، يمكن أن تكون المثال للرجل، كما هي المثال للمرأة من موقع الإنسانية المشتركة التي تستطيع أن تندفع في عطائها الإنساني الأخلاقي في الوقف، بالمستوى الذي تلغى فيه فوارق الجنس أمام وحدة العقل والإرادة والحركة والمواقف.
▪️وإذا تحدّثنا عن بعض النماذج القرآنية، أو بعض الشخصيات التاريخية الإسلامية التي تمثِّل البطولات الكبيرة التي قامت بها المرأة، فإنّا نجد في قراءتنا للتاريخ النساء اللواتي جسّدن التفوّق في مجتمعهن في ما يملكنه من قدرات ومواهب ومواقف تؤكّد القدرة الإنسانية للمرأة على أن تتجاوز نقاط ضعفها لتحوّلها إلى نقاط قوّة، ولتبلغ بها المستوى الرفيع.
وفي العصور المتأخّرة، وفي العصر الحاضر أيضاً، نجد أنّ التجربة الإنسانية، في العلم والثقافة والحركة السياسية والاجتماعية، تقدّم لنا الكثيرات من النساء اللاتي استطعن أن يؤكّدن وجودهن وتجربتهن الرائدة المعبّرة عن مواقع القوّة الإنسانية الدّالة على قدرة المرأة على التحدّي والثبات والإبداع في مختلف المجالات العامّة والخاصّة؛ الأمر الذي يوحي بوجود نوع من التوازن في القدرات الإنسانية في الظروف المشتركة بين الرجل والمرأة.
هذه صورة من الواقع الحيّ الذي يعيشه كلّ من الرجل والمرأة، في الواقع الإنساني؛ وهي تفيد أنّ اختلاف الجنس، في الطبيعة الإنسانية، لم يمنع الاتفاق على الوحدة في القوّة الفكرية والإرادة الصّلبة والمرونة العملية لدى الرجال والنساء، مع توفّر ظروف القوّة والتوازن والإبداع .
اللهم احفظ الاسلام و اهله
اللهم احفظ العراق و شعبه

ــــــــــــــــ