السبت - 22 يونيو 2024

كسر الصورة النمطية للمرأة في العالم أم البنين وفاطمة بنت أسد أنموذجا

منذ سنة واحدة
السبت - 22 يونيو 2024

د.أمل الأسدي ||

بدءا نقف لتعريف الصورة النمطية: فهي تصنيف فئة معينة من الناس وتوصيفهم بصفات ثابتة لاتتغير غالبا، وهي عملية قولبة تعتمد صفة العمومية،والقراءات الناقصة والأحكام المسبقة تجاه أفراد هذه الفئة من الناس، وقد يستمر هذا التنميط في المجتمعات ويتحول إلی سلوك أو ثقافة أو صفة لصيقة بالفئة الموصوفة، تتناقلها الأجيال وتتعامل معها علی أنها حقيقة مُسلّمة وبديهية ثابتة، وهنا سنتحدث عن الصورة النمطية لزوجة الأب، أو الأم وتفضيلها لأولادها علی الجميع، تلك الصورة الراسخة في الوعي الجمعي لدی أغلب شعوب العالم، فزوجة الأب هي تلك المرأة التي ترغب بتملك الزوج ملكيةً فردية خاصة، وهي تلك السيدة الشريرة التي تحركها غيرتها وأنانيتها؛ لذا تجد أغلب الشعوب تتكئ علی موروث مليء بالقصص والحكايات والأمثال الشعبية التي تعكس هذه الصورة النمطية لزوجة الأب أو الأم، وقد تجد الكثير من الروايات في الكتب التأريخية وغيرها من الكتب المقدسة التي تنص علی غيرة سارة(زوج النبي إبراهيم) وسوء خلقها حين رزق الله هاجر وإبراهيم(ع) بالنبي إسماعيل(ع) فأشعلتها الغيرة ولم تعد قادرةً علی رؤية (هاجر) أو ابنها وطلبت من النبي إبعادهما عنها،وعلی هذا الأساس نقلهما النبي إبراهيم الی مكة بحسب هذه الروايات (١) وقد ذكر الله تعالی لنا إسكان النبي إبراهيم لهما في مكة فقال:((رَّبَّنَا إِنِّي أَسْكَنتُ مِن ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِندَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ رَبَّنَا لِيُقِيمُوا الصَّلَاةَ فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِّنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ وَارْزُقْهُم مِّنَ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ))(٢)
وهكذا أسهمت هذه الروايات التي نتحفظ عليها في تشكيل الصورة النمطية للمرأة(زوجة الأب)، فالقرآن الكريم بيّن لنا مكانة السيدة سارة، وعكس صورتها الحقيقية التي أهّلتها للبشارة والتكريم المعجز حين رزقها مولودها وهي امرأة عجوز:” قَالَتْ يَا وَيْلَتَىٰ أَأَلِدُ وَأَنَا عَجُوزٌ وَهَٰذَا بَعْلِي شَيْخًا ۖ إِنَّ هَٰذَا لَشَيْءٌ عَجِيبٌ ۞ قَالُوا أَتَعْجَبِينَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ ۖ رَحْمَتُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ الْبَيْتِ ۚ إِنَّهُ حَمِيدٌ مَّجِيدٌ))(٣) ومع هذا التكريم بقيت الرواية فاعلة وبقي تأثيرها في تشكيل الصورة النمطية حول زوجة الأب، وقد نجد مثل هذه الصورة عن الأم وتفضيلها لأولادها عن غيرهم، وتقديمها لهم علی الجميع، فحتی السيدة أم موسی لم تنج من صراع الأمومة والإيمان وتطبيق أوامر الله تعالی، ففرغ قلبها وكادت أن تفضح السر لولا تدخل اليد الإلهية التي ربطت علی قلبها، كما في قوله تعالی:((وَأَصْبَحَ فُؤَادُ أُمِّ مُوسَىٰ فَارِغًا ۖ إِن كَادَتْ لَتُبْدِي بِهِ لَوْلَا أَن رَّبَطْنَا عَلَىٰ قَلْبِهَا لِتَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ ))(٤)
فلا يتقدم أحد في المكانة علی الأولاد بالنسبة لأمهاتهم!!
أما السيدة فاطمة بنت حزام الكلابية، زوج أمير المؤمنين علي(ع) فهي ثانية اثنتين من السيدات اللاتي كسرن قاعدة التنميط أو الصورة النمطية حول المرأة(الأم) والمرأة(زوجة الأب)، فالأولی كانت فاطمة بنت أسد، زوج أبي طالب(عليهماالسلام) التي ربت الرسول الأعظم واعتنت به، وفضلته علی أولادها!
فالطعام الجيد لمحمد(صلی الله عليه وآله) والملبس الجديد له،والرعاية الجسدية والنفسية له أيضا، وليس هذا وحسب؛ بل ربت أولادها علی هذا الأمر، فكانوا الحماة له، والمدافعين عنه، في صغرهم وفي شبابهم وقدرتهم وقوتهم،وهذا ليس نابعا من إنسانيتها ونبلها وحسب! إنما نابع من إيمانها بالرسول ورسالته قبل بزوغ نورها، فهي من الجماعة المؤسسة الممهدة للإسلام،ولعبت دورا تأسيسا في ذلك، كما كان لعبد المطلب وأبي طالب دور في المرحلة التأسيسية، والتي ستنضم إليها السيدة خديجة(ع) فيما بعد،وبناء ً علی هذه الرعاية كان رسول الله الأعظم(صلی الله عليه وآله) يعدّها أمه فلمَّا مَاتت كَفَّنَهَا رَسُولُ الله في قَمِيصِهِ وَصَلَّى عَليها، وَكَبَّر عَلَيْهَا سَبْعِينَ تَكْبِيرةً، ونزلَ فِي قَبْرِهَا فجعَل يَوْمِي فِي نَوَاحِي الْقبرِ، كَأَنَّهُ يوسِّعهُ وَيُسَوِّي عَليهَا وَخَرَجَ مِنْ قَبْرِهَا وَعَينَاهُ تَذْرِفان، فقيل له : يَا رَسُول الله، رَأَيْتُكَ فَعَلتَ عَلَى هَذِهِ الْمَرْأَةِ شَيْئًا لَمْ تَفْعَلْهُ عَلَى أَحدٍ، فَقالَ: ” هَذِهِ الْمَرْأَةَ كَانَتْ أُمِّي، إِنَّ أَبَا طَالِبٍ كَانَ يَصْنعُ الصَّنِيعَ، وَتَكُونُ لَهُ الْمأدُبَةُ، وَكَان يَجمَعُنَا عَلَى طَعَامِهِ، فَكَانَت هَذِهِ الْمَرأَةُ تُفَضِّلُ مِنْهُ كُلِّهِ نَصِيبًا فَأَعُودُ فِيهِ، وَإِنَّ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلَامُ أَخْبَرَنِي عَنْ رَبِّي عَزَّ وَجَلَّ أَنَّهَا مِنْ أَهلِ الْجَنَّةِ، وَأَخْبَرَنِي جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلَامُ أَنَّ اللَّهَ
تَعَالَى أَمَرَ سَبْعِينَ أَلْفًا مِنَ الْمَلَائِكَةِ يُصَلُّونَ عَلَيْهَا” (٥) وهكذا كسرت السيدة فاطمة بنت أسد الصورة النمطية عن الأم التي تفضل أبناءها عن سائر الخلق، حتی وإن يتعلق الأمر بدينها أو تكليفها الشرعي المأمورة به، فكانت أنموذجا رائدا في الإيثار والطاعة والقدرة علی إدارة الموقف و التمكن من حقيق التوازن التربوي داخل البيت وفي محيط الأسرة.
⭕وأما السيدة فاطمة الكلابية فهي السيدة الثانية التي كسرت تلك النمطية، وهشّمت القولبة الجاهزة، لتثبت للإنسانية كلها أن الإيمان بالله تعالی ينتصر علی المشاعر الذاتية والمصالح الخاصة،وأن الإنسان الذي كرّمه الله تعالی وطلب من الملائكة أن يسجدوا له،قد يرقی بنفسه ليصل الی هذه المراحل من السلام الداخلي والطمأنينة التي تمكنه،وتجعله قويا راسخا،فلا فرق في الإيمان والعمل والتسليم بين رجل وامرأة!!
هكذا امتلكت( أم البنين) الذكاء والتمكين لتقدم للعالم كله صورةً أنموذجية عن المرأة، في الوقت الذي تهيمن عليه الصورة النمطية السلبية عن زوجة الأب لدی الشعوب عامة ، وعلی الرغم من أن هذا العالم الذي تقوده العلمانية من قرن وأكثر، يزعم أنه يريد نصرة المرأة وتمكينها، ومنحها الوجود المستقل؛الإ أنه يسعی إلی طمس هذه الصور المتفردة للنساء، فقط لأنهن ينتمين إلی الإسلام!!
فمازالت المسلسلات والأفلام والرسوم المتحركة والقصص العالمية تزخر بأشكال الترويج للصورة النمطية السلبية عن زوجة الأب والأم،وهنا نسألهم: أليس هذا استهداف للمرأة؟أليس هذا من الظلم والجور؟؟
وماذا يسمی الإصرار علی طمس الصور الإيجابية لنساء العالم؟ كيف يكون الظلم والاضطهاد؟ وكيف تكون القشرية والسطحية بعد هذه المتبنيات؟
فتعالوا واسمعوا كلام( فاطمة أم البنين)وشاهدوا بقلوبكم موقف زوجة الأب المسلمة المؤمنة، ماذا قالت لأولاد زوجها في ليلة زفافها:
⭕ وقفت بين يدي الحسن والحسين وزينب(ع) وقالت: ” يا آل بيت المصطفی، أبناء الزهراء، أنا ما جئت هنا لأحل محل أُمِّكم فاطمة(ع) ثم اختنقت بعبرتها وقالت: أنا هنا خادمة لكم، فهل تقبلوني أن أكون خادمة؟! وإلا فإني راجعة الی داري!!
فرحب بها الحسن والحسين وزينب(ع)، وتوافق أن الحسنين كانا مريضين، فبقيت تلاطفهما بالكلام وتحنو عليهما، وسهرت لرعايتهم حتی الصباح!(٦)
⭕ قالت لعلي بن أبي طالب (ع): يا أبا الحسن، لي إليك حاجة!!
فقال: ما حاجتكِ؟ وإني قضيتها إن شاء الله.
قالت: لاتنادني بفاطمة! لأني أدركت أن الحسن والحسين وزينب يتأثرون وتبدو عليهم علائم الحزن؛ لأنهم يتذكرون أمّهم فاطمة (ع)اُدعني يا أم البنين أو قل: يا أم جعفر أو يا أم عبد الله.(٧)
وبعد هذه المواقف هل رأيتم قلبا كقلبها وأدبا كأدبها؟
ـ تعالوا الی عالمنا الإسلامي وقفوا عند هذه السيدة التي أزالوا ضريحها الصغير، وهدموا قبتها، فشيّد الله تعالی لها مجدا، يسمو ويرتفع كلما مرت الأيام!!
لأنها كانت مدرسةً نسوية، مدرسة لصناعة القادة، مدرسة للتسليم والثبات،وهي الشاعرة الفصيحة والسيدة البليغة، والمؤمنة التي قدمت أولادها الأربعة في سبيل الله، ومن أجل نصرة الحق، وطاعةً لإمام زمانها!!
ويكفي أن تتطلع علی صفات العباس(ع) لتدرك عظمة السيدة التي ربته هذه التربية، هو وإخوته، إذ كانت توصيه بأن يجلس القرفصاء أمام الحسين، وأن يناديه بـ( سيدي الحسين) كي لا يؤثر مقام الإخوة علی مقام الإمامة، فهي تريد للعباس أن يكون عضدا وسندا مؤمنا، مطيعا للإمام، حتی ظهرت ثمار هذه التربية في يوم عاشوراء،إذ ضرب العباس وإخوته(ع) المثل الأعلی في الإيثار والثبات والشجاعة وقد قال الإمام زين العابدين(ع): ” رحم الله العباس فلقد آثر وأبلى، وفدى أخاه بنفسه حتّى قُطعت يداه، فأبدله الله بهما جناحين يطير بهما مع الملائكة في الجنة، كما جعل لجعفر بن أبي طالب، وإنّ للعباس عند الله تبارك وتعالى لمنزلة يغبطه بها جميع الشهداء يوم القيامة).(٨)
هكذا كانت فاطمة الكلابية(أم البنين)مدرسة تربوية فصلت بين العام والخاص، فلم تقدم مصلحةً خاصة علی مصلحة الإسلام العامة، ولم يبدر منها إلا الخلق الرفيع مع أولاد فاطمة الزهراء (ع)، وهي صورة حية حتی الآن تعكس حسن الاختيار، وتضع الأسس السليمة لبناء الأسرة الناجحة، فتعالوا جميعا، لنقف عند باب هذه المرأة ونتعلم منها كيف نؤمن ونطيع ونسلِّم ونربي ونعلِّم ونحمد الله ونشكره في كل الأحوال!
تعالوا لننظّف العالم من التنميط ونقول لهم: كسّر الإسلامُ تنميطكم السلبي للمرأة، وهشّم المسيوجينية، ورفع رأس المرأة عاليا بفاطمة بنت أسد وفاطمة الكلابية، وخديجة الكبری وفاطمة الزهراء وزينب العقيلة!
فتمكين الله الثابت، لايُقارَن بتمكينكم الفاسد!!


ــــــــــــــــ